في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ} (63)

33

( فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين ) .

إنما الجديد هو وصف الذين يتولون عن الحق بأنهم مفسدون ، وتهديدهم بأن الله عليم بالمفسدين . .

والفساد الذي يتولاه المعرضون عن حقيقة التوحيد فساد عظيم . وما ينشأ في الأرض الفساد - في الواقع - إلا من الحيدة عن الاعتراف بهذه الحقيقة . لا اعتراف اللسان . فاعتراف اللسان لا قيمة له . ولا اعتراف القلب السلبي . فهذا الاعتراف لا ينشىء آثاره الواقعية في حياة الناس . . إنما هي الحيدة عن الاعتراف بهذه الحقيقة بكل آثارها التي تلازمها في واقع الحياة البشرية . . وأول ما يلازم حقيقة التوحيد أن تتوحد الربوبية ، فتتوحد العبودية . . لا عبودية إلا لله . ولا طاعة إلا لله . ولا تلقي إلا عن الله . فليس إلا لله تكون العبودية . وليس إلا لله تكون الطاعة . وليس إلا عن الله يكون التلقي . . التلقي في التشريع ، والتلقي في القيم والموازين ، والتلقي في الآداب والأخلاق . والتلقي في كل ما يتعلق بنظام الحياة البشرية . . وإلا فهو الشرك أو الكفر . مهما اعترفت الألسنة ، ومهما اعترفت القلوب الاعتراف السلبي الذي لا ينشىء آثاره في حياة الناس العامة في استسلام وطاعة واستجابة وقبول .

إن هذا الكون بجملته لا يستقيم أمره ولا يصلح حاله ، إلا أن يكون هناك إله واحد ، يدبر أمره : و( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) . . وأظهر خصائص الألوهية بالقياس إلى البشرية : تعبد العبيد ؛ والتشريع لهم في حياتهم ، وإقامة الموازين لهم . فمن ادعى لنفسه شيئا من هذا كله فقد ادعى لنفسه أظهر خصائص الألوهية ؛ وأقام نفسه للناس إلها من دون الله .

وما يقع الفساد في الأرض كما يقع عندما تتعدد الآلهة في الأرض على هذا النحو . عندما يتعبد الناس الناس . عندما يدعي عبد من العبيد أن له على الناس حق الطاعة لذاته ؛ وأن له فيهم حق التشريع لذاته ؛ وأن له كذلك حق إقامة القيم والموازين لذاته . فهذا هو ادعاء الألوهية ولو لم يقل كما قال فرعون : ( أنا ربكم الأعلى ) . . والإقرار به هو الشرك بالله أو الكفر به . . وهو الفساد في الأرض أقبح الفساد .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ} (63)

59

63- { فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين } .

فإن اعرضوا عن اتباعك في دينك ولم يقبلوا عقيدة التوحيد التي جئت بها ولم يجيبونك إلى المباهلة فجزاؤهم وعقابهم عند الله وإن الله عليم بحال المفسدين فيجازيهم على فسادهم وإفسادهم وأظهر في مكان الإضمار فلم يقل عليم بهم بل قال عليم بالمفسدين لإظهار فسادهم واستحقاقهم للعقوبة وفي هذا تهديد بليغ لهم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ} (63)

ولما ثبت ذلك كله{[17773]} سبب عنه{[17774]} تهديدهم على الإعراض{[17775]} بقوله - منبهاً بالتعبير بأداة الشك على أنه لا يعرض عن هذا {[17776]}المحل البين{[17777]} إلا من كان عالماً بأنه مبطل ، ومثل ذلك لا يظن بذي عقل ولا مروة ، فمن حق ذكره أن يكون من قبيل فرض المحالات{[17778]} : { فإن تولوا } أي عن إجابتك إلى ما تدعوا إليه { فإن الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً { عليم } بهم ، هكذا كان{[17779]} الأصل ، فعدل عنه لتعليق الحكم بالوصف تنفيراً من مثل حالهم فقال : { بالمفسدين * } أي فهو يحكم فيهم بعلمه فينتقم منهم لفسادهم بعزته انتقاماً يتقنه{[17780]} بحكمته فينقلبون منه بصفقة خاسر ولا يجدون{[17781]} من ناصر .


[17773]:سقط من ظ.
[17774]:في ظ: عليه.
[17775]:من مد، وفي الأصل وظ: الاغراض.
[17776]:من ظ ومد، وفي الأصل: الحل المبين.
[17777]:من ظ ومد، وفي الأصل: الحل المبين.
[17778]:في ظ: بالحالات.
[17779]:زيد من مد.
[17780]:في ظ: بمعته ـ كذا.
[17781]:في الأصول: تجدون.