تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَـٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا} (60)

59

60- { إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنّة ولا يظلمون شيئا } .

أي : لكن من تاب إلى الله تعالى ، وآمن به إيمانا صادقا ، وأتبع ذلك بالعمل الصالح ، فإن الله تعالى يقبل توبته ، ويدخله الجنة ، ويكافئه ويجازيه أحسن الجزاء ، ولا ينقصه شيئا من جزاء عمله .

وقد تكرر هذا المعنى في القرآن الكريم ؛ دعوة إلى التوبة وحثا عليها ، ورأفة ورحمة ببني آدم ، الذين أغواهم الشيطان ، ودعوة لهم أن ينتصروا على شهواتهم ، وأن يفروا إلى ربهم ؛ فإن بابه مفتوح بالليل والنهار ، والصباح والعشي ، يقبل التوب ويغفر الذنب ، وفي الآيات الأخيرة من سورة الفرقان ، وصف لعباد الرحمن ، ثم قال سبحانه : { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاما . يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا . إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما . ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا } . ( الفرقان : 71 ، 68 ) .

وذكرت آيات التوبة والدعوة إليها في القرآن الكريم كثيرا فالإنسان خطاء ، والله تعالى كريم حليم لذلك يدعو عباده إلى التوبة والإنابة ، وينهاهم عن اليأس والقنوط قال تعالى : { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم } . ( الزمر : 53 ) .

وحفلت كتب السنة النبوية ، وكتب الأحاديث القدسية ؛ بالدعوة إلى التوبة النصوح ، وحثت عليها المؤمنين ، وحذرتهم من التسويف واليأس ، ودعتهم إلى الرجاء والأمل في وجه الله تعالى .

وفي الحديث الذي أخرجه ابن ماجة عن ابن سعود والحكيم الترمذي : عن أبي سعيد الخدري . يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له )xiii .

وفي صحيح البخاري يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( يقول الله عز وجل : ما تقرب عبدي إلي بشيء أحب إلي من أداء ما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي عليها ، ولئن دعاني لأجيبنه ، ولئن سألني لأعطينه )xiv .

وروى الإمام أحمد في مسنده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يقول الله عز وجل : وعزتي وجلالي لو أتاني عبدي ليلا قبلته ، ولو أتاني نهارا قبلته ، وإن استقالني أقلته ، وإن استغفرني غفرت له ، . . . . . ، ومن جاء إليّ تلقيته من بعيد ، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد ، ومن تعرف لحلولي وقوتي ألنت له الحديد )xv .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَـٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا} (60)

{ إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ صالحا } استثناء منقطع عند الزجاج . وقال في «البحر » : ظاهره الاتصال ، وأيد بذكر الإيمان كون الآية في الكفرة أو عامة لهم ولغيرهم لأن من آمن لا يقال إلا لمن كان كافراً إلا بحسب التغليظ ، وحمل الإيمان على الكامل خلاف الظاهر ، وكذا كون المراد إلا من جمع التوبة والإيمان ، وقيل : المراد من الإيمان الصلاة كما في قوله تعالى : { وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم } [ البقرة : 143 ] ويكون ذكره في مقابلة إضاعة الصلاة وذكر العمل الصالح في مقابلة اتباع الشهوات { فَأُوْلَئِكَ } المنعوتون بالتوبة والإيمان والعمل الصالح { يَدْخُلُونَ الجنة } بموجب الوعد المحتوم ، ولا يخفى ما في ترك التسويف مع ذكر أولئك من اللطف .

وقرأ ابن كثير . وأبو عمرو . وأبو بكر . ويعقوب { يَدْخُلُونَ } بالبناء للمفعول من أدخل . وقرأ ابن غزوان عن طلحة «سيدخلون » بسين الاستقبال مبنياً للفاعل { وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً } أي لا ينقصون من جزاء أعمالهم شيئاً أو لا ينقصون شيئاً من النقص ، وفيه تنبيه على أن فعلهم السابق لا يضرهم ولا ينقص أجورهم . واستدل المعتزلة بالآية على أن العمل شرط دخول الجنة . وأجيب بأن المراد { يَدْخُلُونَ الجنة } بلا تسويف بقرينة المقابلة وذلك بتنزيل الزمان السابق على الدخول لحفظهم فيه عما ينال غيرهم منزلة العدم فيكون العمل شرطاً لهذا الدخول لا للدخول مطلقاً ، وأيضاً يجوز أن يكون شرطاً لدخول جنة عدن لا مطلق الجنة ، وقيل هو شرط لعدم نقص شيء من ثواب الأعمال وهو كما ترى ، وقيل غير ذلك . واعترض بعضهم على القول بالشرطية بأنه يلزم أن لا يكون من تاب وآمن ولم يتمكن من العمل الصالح يدخل الجنة . وأجيب بأن ذلك من الصور النادرة والأحكام إنما تناط بالأعم الأغلب فتأمل .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَـٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا} (60)

ثم استثنى تعالى فقال : { إِلَّا مَنْ تَابَ } عن الشرك والبدع والمعاصي ، فأقلع عنها وندم عليها ، وعزم عزما جازما أن لا يعاودها ، { وَآمَنَ } بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، { وَعَمِلَ صَالِحًا } وهو العمل الذي شرعه الله على ألسنة رسله ، إذا قصد به وجهه ، { فَأُولَئِكَ } الذي جمعوا بين التوبة والإيمان ، والعمل الصالح ، { يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ } المشتملة على النعيم المقيم ، والعيش السليم ، وجوار الرب الكريم ، { وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا } من أعمالهم ، بل يجدونها كاملة ، موفرة أجورها ، مضاعفا عددها .