تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ} (51)

51- { إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم } .

التفسير :

يعلن المسيح حقيقة التوحيد والإيمان بالله وحده هذا الاعتقاد الذي قامت عليه جميع الرسالات السماوية ويؤيد المسيح عليه السلام أن المعجزات التي جاءهم بها لم يجيء بها من عند نفسه فما له قدرة عليها وهو بشر إنما جاءهم من عند الله ودعوته تقوم ابتداء على تقوى الله وطاعة رسوله ثم يؤكد ربوبية الله له ولهم على السواء فما هو برب وإنما هو عبد وان يتوجهوا بالعبادة إلى الله فلا عبودية إلا لله . . و يختم قوله بالحقيقة الشاملة فتوحيد الرب وعبادته وطاعة الرسول والنظام الذي جاء به هذا صراط مستقيم . . وما عداه عوج وانحراف وما قطعا بالدين .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ} (51)

ولما كان كأنه قيل : ما تلك الآية التي{[17241]} سميتها " آية " بعد ما جئت به من الأشياء الباهرة قال{[17242]} : { إن الله } الجامع لصفات الكمال { ربي وربكم } أي خالقنا ومربينا ، أنا وأنتم في ذلك شرع واحد ، وقراءة من فتح { إن } أظهر في المراد { فاعبدوه هذا } أي الذي دعوتكم إليه { صراط مستقيم * } أنا وأنتم فيه سواء ، لا أدعوكم إلى شيء إلا كنت أول{[17243]} فاعل{[17244]} له ، ولا أدعي أني إله ولا أدعو إلى عبادة غير الله تعالى كما يدعي الدجال ويغره من {[17245]}الكذبة الذين{[17246]} تظهر الخوارق على أيديهم امتحاناً من الله سبحانه وتعالى لعباده{[17247]} فيجعلونها سبباً للعلو في الأرض والترفع على الناس ، وجاء بالتحذير منهم وتزييف{[17248]} أحوالهم{[17249]} الأنبياء ، وإلى هذا يرشد قول عيسى عليه السلام فيما سيأتي عن إنجيل يوحنا أن من يتكلم{[17250]} من عنده إنما يطلب المجد لنفسه ، فأما الذي يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم ؛ وإلى مثل ذلك أرشدت التوراة فإنه جعل العلامة على صدق الصادق وكذب الكاذب الدعوة ، فمن كانت دعوته إلى الله سبحانه وتعالى وجب تصديقه ، من كذبه هلك ، ومن دعا{[17251]} إلى غيره وجب تكذيبه ، ومن صدقه هلك ؛ قال في السفر الخامس منها : وإذا دخلتم الأرض التي{[17252]} يعطيكم الله ربكم فلا تعملوا مثل أعمال تلك الشعوب ، ولا يوجد فيكم من يقبر{[17253]} {[17254]}ابنه أو{[17255]} ابنته في النار نذراً للأصنام ، ولا من{[17256]} يطلب تعليم العرافين ، ولا من يأخذ بالعين ، ولا يوجد فيكم من يتطير{[17257]} طيرة{[17258]} ، ولا ساحر ، ولا من يرقى رقية ، ولا من ينطلق إلى{[17259]} العرافين{[17260]} والقافة{[17261]} فيطلب إليهم ويسألهم عن الموتى ، لأن كل{[17262]} من يعمل هذه الأعمال هو نجس بين يدي الله ربكم ، ومن أجل هذه النجاسة يهلك الله هذه الشعوب من بين أيديكم ؛ ولكن كونوا متواضعين مخبتين أمام الله ربكم{[17263]} ، لأن هذه الشعوب التي{[17264]} ترثونها{[17265]} كانت{[17266]} تطيع العرافين والمنجمين ، فأما{[17267]} أنتم فليس هكذا يعطيكم الله ربكم ، بل يقيم لكم نبياً{[17268]} من إخوتكم مثلي ، فأطيعوا ذلك النبي كما أطعتم الله ربكم في حوريب{[17269]} يوم الجماعة{[17270]} وقلتم : لا نسمع{[17271]} صوت الله ربنا ولا نعاين{[17272]} هذه النار العظيمة لئلا{[17273]} نموت ، فقال الرب : ما أحسن ما تكلموا ! سأقيم لهم{[17274]} نبياً من إخوتهم مثلك وأجري قولي فيه ويقول لهم ما آمره به ، والرجل الذي لا يقبل قول النبي الذي يتكلم{[17275]} باسمي أنا أنتقم منه ، فأما النبي الذي{[17276]} يتكلم ويتجرأ باسمي ويقول ما لم آمره أن يقوله ويتكلم بأسماء الآلهة{[17277]} الأخرى ليقتل{[17278]} ذلك النبي ، وإن قلتم في قلوبكم : كيف لنا أن نعرف{[17279]} القول الذي لم يقله الرب ، إذا تكلم ذلك النبي باسم الرب فلم يكمل قوله : ولم يتم فلذلك القول لم يقله الرب{[17280]} ولكن تكلم ذلك النبي جراءة وصفاقة وجه{[17281]} ، فلا تخافوه ولا تفزعوا{[17282]} منه ؛ وقال قبل ذلك بقليل{[17283]} : وإذا أهلك الله الشعوب التي تنطلقون إليها وأبادهم{[17284]} من بين أيديكم{[17285]} وورثتموهم وسكنتم أرضهم ، احفظوا ، لا تتبعوا آلهتهم من بعد ما يهلكهم{[17286]} الله من بين أيديكم ، ولا تسألوا عن آلهتهم{[17287]} ولا تقولوا : كيف كانت هذه الشعوب تعبد{[17288]} آلهتها حتى نفعل نحن مثل{[17289]} فعلها ؟ {[17290]}ولا تفعلوا مثل فعالها{[17291]} أمام الله ربكم ، لأنهم عملوا بكل ما أبغض الله وأحرقوا بنيهم وبناتهم لآلهتهم ، ولكن القول الذي آمركم به إياه احفظوا وبه اعملوا ! لا تزيدوا ولا تنقصوا{[17292]} منه شيئاً فإن قام بينكم نبي أو من يفسر أحلاماً وعمل آية أو عجيبة ويقول : أقبلوا بنا نعبد الآلهة الأخرى التي لا تعرفونها ونتبعها - لا يقبل قول ذلك النبي وصاحب الأحلام ، لأنه إنما يريد ، {[17293]}أن يجربكم ليعلم هل تحبون الله ربكم ، احفظوا وصاياه واتقوا{[17294]} واسمعوا قوله {[17295]}واعبدوه والحقوا به ، فأما ذلك النبي وذلك الذي تحلّم الأحلام فليقتل ، لأنه نطق بإثم{[17296]} أمام الله{[17297]} ربكم{[17298]} الذي أخرجكم من أرض{[17299]} مصر وخلصكم من العبودية ، فأراد أن يضلكم عن الطريق الذي أمركم الله ربكم أن تسيروا فيه ، واستأصلوا الشر من بينكم ، وإن شوقك أخوك ابن أمك وأبيك أو ابنتك أو حليلتك أو صديقك ويقول لك : هلم{[17300]} بنا نتبع الآلهة الأخرى التي لم تعرفها أنت ولا آباؤك من آلهة الشعوب التي حولكم - القريبة منكم والبعيدة - ومن أقطار الأرض إلى أقصاها - لا تقبل{[17301]} قوله ولا تطعه{[17302]} ولا تشفق عليه ولا ترحمه ولا تلتمّ{[17303]} عليه ولا تتعطف{[17304]} عليه ، ولكن اقتله قتلاً ، وابدأ به أنت قتلاً ، ثم يبدأ به جميع الشعوب ، وارجموه{[17305]} بالحجارة وليمت ، لأنه أراد أن يضلك عن عبادة الله ربك{[17306]} الذي أخرجك من أرض مصر وخلصك من العبودية ، ويسمع{[17307]} بذلك جميع{[17308]} بني إسرائيل ، ويفزعون فلا يعودوا أن يعملوا مثل هذا العمل السوء{[17309]} بينكم ، وإذا سمعتم أن في قرية من القرى التي أعطاكم الله{[17310]} قوماً قد ارتكبوا خطيئة وأضلوا أهل قريتهم وقالوا لهم{[17311]} : {[17312]}ننطلق فنعبد{[17313]} آلهة أخرى لم تعرفوها ، ابحثوا نعماً وسلوا حسناً ، إن كان القول الذي بلغكم يقيناً وفعلت هذه النجاسة في تلك القرية اقتلوا أهل تلك القرية بالسيف ، واقتلوا كل من فيها من النساء والصبيان والبهائم بالسيف ، واجمعوا جميع{[17314]} نهبها خارج القرية وأحرقوا القرية بالنار وأحرقوا كل نهبها أمام الله ربكم ، وتصير القرية تلاً خراباً إلى الأبد ولا تبنى أيضاً ، ولا يلصق{[17315]} بأيديكم من خرابها شيء ليصرف الرب غضبه عنكم ويعطف عليكم ويفيض رحمته عليكم ويجيبكم{[17316]} ويرحمكم ويكثركم كما قال لآبائكم ؛ هذا إن أنتم سمعتم قول الله ربكم ، وحفظتم وصاياه التي أمرتكم بها اليوم ، وعملتم الحسنات أمام الله ربكم ، فإذا فعلتم هذا صرتم لله ربكم ، لا تأثموا ولا تصيروا{[17317]} شبه{[17318]} الوحش ولا تخدشوا{[17319]} وجوهكم وبين أعينكم على الميت ، لأنكم شعب طاهر لله ربكم ، وإياكم اختار الله ربكم أن تكونوا له{[17320]} شعباً حبيباً أفضل من جميع شعوب الأمم - انتهى .

فقد تبين من هذا كله أن عيسى عليه الصلاة والسلام مصدق للتوراة في الدعاء إلى توحيد الله سبحانه وتعالى وأن الآية الكبرى{[17321]} على صدق النبي الحق اختصاصه الله تعالى بالدعوة وتسويته بين نفسه وجميع من يدعوه في الإقبال عليه والتعبد له والتخشع لديه ، وأن الآية على كذب الكاذب دعاؤه إلى غير الله ؛ وفي ذلك وأمثاله مما سيأتي عن الإنجيل في سورة النساء تحذير من الدجال وأمثاله ، فثبت أن المراد بالآية في هذه الآية ما قدمته{[17322]} من الإخبار بأن الله سبحانه وتعالى رب الكل والأمر بعبادته{[17323]} ، وهذا كما يأتي من أمر الله سبحانه وتعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى :{ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم }[ آل عمران : 64 ] إلى قوله :{ ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله{[17324]} }[ آل عمران : 64 ] .


[17241]:سقط من ظ.
[17242]:من ظ ومد، وفي الأصل: فقال.
[17243]:سقط من ظ.
[17244]:في ظ: فاعلا.
[17245]:من ظ و مد، وفي الأصل: الكذب الذي.
[17246]:من ظ و مد، وفي الأصل: الكذب الذي.
[17247]:من ظ ومد، وفي الأصل : لعبادة.
[17248]:من مد، وفي الأصل وظ: ترنيف.
[17249]:زيد بعده في ظ: عن.
[17250]:في ظ: يتعلم.
[17251]:من ظ ومد، وفي الأصل: عاد.
[17252]:في ظ: الذي.
[17253]:من ظ ومد، وفي الأصل: يقبر ـ كذا.
[17254]:في ظ: ابنته و ـ كذا.
[17255]:في ظ: ابنته و ـ كذا.
[17256]:سقط من ظ.
[17257]:في ظ: ينظر.
[17258]:من ظ ومد، وفي الأصل: طير.
[17259]:زيد من ظ ومد.
[17260]:جمع العراف وهو المنجم أو الحازى الذي يدعى علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه.
[17261]:جمع القائف وهو الذي يتبع الآثار ويعرفها ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه.
[17262]:في ظ: الذي.
[17263]:زيد من ظ ومد.
[17264]:في ظ: الذي.
[17265]:من ظ ومد، وفي الأصل: توثرنها.
[17266]:زيد من ظ ومد.
[17267]:من ظ ومد، وفي الأصل: وأما.
[17268]:في ظ : نبينا.
[17269]:من ظ ومد، وفي الأصل: حوريت، وحوريب جبل في شبه جزيرة سينا، تجلى فيه الرب لموسى الكليم ومن بعده لألياء النبي.
[17270]:من ظ ومد، وفي الأصل: جمعه.
[17271]:من مد، وفي الأصل وظ: يسمع.
[17272]:في مد: لا نغابن.
[17273]:في مد: كيلا.
[17274]:سقط من ظ.
[17275]:العبارة من هنا إلى "الذي يتكلم" تكررت في الأصل.
[17276]:سقط من مد.
[17277]:في ظ: الآلهة.
[17278]:في ظ: يقبل، وفي مد: يقتل.
[17279]:من ظ ومد، وفي الأصل: نفرق.
[17280]:زيد من ظ ومد.
[17281]:صفق صفاقة ـ الرجل: كان وقحا، يقال: وجه صفيق، أي لا حياء له.
[17282]:في الأصول: لا تقرعوا.
[17283]:في ظ: تعليل.
[17284]:في ظ: إباذهم.
[17285]:في ظ: أيديهم.
[17286]:من ظ ومد، وفي الأصل: تهلكهم.
[17287]:في ظ: آلهتنا حتى تفعل.
[17288]:في ظ: آلهتنا حتى تفعل.
[17289]:زيد في ظ: ما.
[17290]:سقط من ظ.
[17291]:سقظ من ظ.
[17292]:من ظ، وفي الأصل وظ: لا تنقضوا.
[17293]:العبارة المحجوزة زيدت من مد وظ.
[17294]:من مد، وفي ظ: واتقوا.
[17295]:العبارة من هنا إلى "تحلم الأحلام" متقدمة في الأصل على "لأنه إنما يريد".
[17296]:من مد، وفي ظ: باسمي.
[17297]:العبارة المحجوزة زيدت من مد وظ.
[17298]:تكرر في مد.
[17299]:في ظ: أمر.
[17300]:في النسخ: حلم ـ كذا.
[17301]:من مد، وفي الأصل: لا تقيل، وفي ظ: لا يقبل.
[17302]:من ظ، وفي الأصل ومد: لا تطيعه.
[17303]:كذا ـ من لمم، يقال: التم بالقوم: أثاهم فنزل بهم، ولعله: لا تلتثم عليه ـ من لأم، أي لا تجتمع، يقال: التأم القوم: اجتمعوا.
[17304]:من ظ، وفي الأصل ومد: لا تنعطف.
[17305]:من ظ ومد، وفي الأصل: راجموه.
[17306]:من ظ ومد، وفي الأصل: ربكم.
[17307]:في ظ: ليسمع.
[17308]:زيد من مد.
[17309]:من ظ ومد، وفي الأصل: السر.
[17310]:في ظ: الرب.
[17311]:سقط من مد.
[17312]:من مد، وفي الأصل وظ: تنطلق فيعبد.
[17313]:من مد، وفي الأصل وظ: تنطلق فيعبد.
[17314]:زيد من ظ ومد.
[17315]:في ظ: لا تلصق.
[17316]:في مد: يحببكم وفي ظ: تجببكم، وفي الأصل: يحكم ـ كذا.
[17317]:في مد: لا يضروا ـ كذا.
[17318]:من مد، وفي الأصل وظ: أشبه.
[17319]:في ظ: لا تحدشوا.
[17320]:سقط من ظ.
[17321]:في ظ: الآيات.
[17322]:في ظ: قدمت.
[17323]:من ظ ومد، وفي الأصل: بقيادته.
[17324]:سورة 3 آية 64.