فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{وَحَدَآئِقَ غُلۡبٗا} (30)

{ فلينظر الإنسان إلى طعامه ( 24 ) أنا صببنا الماء صبا ( 25 ) ثم شققنا الأرض شقا ( 26 ) فأنبتنا فيها حبا ( 27 ) وعنبا وقضبا ( 28 ) وزيتونا ونخلا ( 29 ) وحدائق غلبا ( 30 ) وفاكهة وأبا ( 31 ) متاعا لكم ولأنعامكم ( 32 ) } .

الله سبحانه يدعو الناس ليتأملوا ويتفكروا فيما يطعمون ، أهم الذين أحدثوه وأنشأوه ؟ أم هم الذين أنبتوه وأصلحوه ؟ ! وبعد حصولهم عليه برعاية الله وتيسيره ليتدبروا كيف علمهم أن يتناولوه ، ثم إذا طعموا خفي عليهم كيف انتفعوا به وكيف هضموه ؛ { أنا{[9242]} صببنا الماء صبا } الله دون سواه هو الذي أنزل الغيث من السحاب وصبه على الأرض صبا عجيبا { . . يصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء . . }{[9243]} وينزله سبحانه بقدر معلوم ، ويسكن ما قدر جل ثناؤه أن يسكنه ويسلكه ينابيع في الأعماق ؛ وما الطاعمون ولا المخلوقون بقادرين على إنزال قطرة من مطر نستنبت بها مآكلنا التي هي قوام حياتنا ، { ثم شققنا الأرض شقا } فتق الله الأرض وصدعها بالنبات الذي غيب بذره تحت ترابها ، ولولا نعمة ربي لجعل أديمها صلدا ، لا ينشق عن نبت ؛ يفلق الخلاق العليم بقدرته الحب والنوى ، وبلطفه يحيلها بعد همودها إلى حياة وبهجة ونماء ؛ [ أسكناه فيها فدخل تخومها ، وتخلل في أجزاء الحب المودع فيها فنبت وارتفع وظهر على وجه الأرض ]{[9244]} ؛ { فأنبتنا فيها حبا } زرعا ذا حب من قمح وشعير وسائر ما يذكر من الحبوب مما له سنابل ويحصد ويدخر ؛ { وعنبا وقضبا } وكرم عنب ، وما يقضب أي يقطع من البقول التي تحش فينبت أصلها ؛ وقال بعض المفسرين : القضب : القت والعلف لأنه يقضب بعد ظهوره مرة بعد مرة ؛ وقيل : هو الرطب أو الفصافص : ولعل الرأي الأول أنسب لما صدرت به الآيات من قول المولى تبارك اسمه : { فلينظر الإنسان إلى طعامه } فحمله على بعض طعام الأناسي أولى من توجيهه إلى ما تطعمه الأنعام ، كما أن الآيات بعده ذكرت مطاعم الآدميين ؛ { وزيتونا ونخلا } شجر الزيتون الذي من ثمره أدم ، ومن عصيره أدم ، ويستصبح به ، ويدهن به ؛ ومن ثمر النخل يأكل الناس [ بلحا ] بسرا ورطبا وتمرا ، ونيئا ومطبوخا ، ويعتصر منه زيت وخل ؛ { وحدائق غلبا } بساتين ، واحدها : حديقة ؛ قال الكلبي : وكل شيء أحيط عليه من نخيل أو شجر فهو حديقة- لأن الحوطة أو السور أحدق به وأحاطه- وما لم يحط عليه فليس بحديقة ؛ { غلبا } عظاما شجرها ؛ وعن عكرمة : عظام الأوساط والجذوع ؛ وعن مجاهد : ملتفة ؛ { وفاكهة وأبا } أي ما تأكل الناس من ثمار الأشجار كالتين والتفاح وغيرهما ؛ { وأبا } ما تأكله البهائم من العشب ؛ ونقل الحسن النيسابوري عن جار الله الزمخشري : أن الفاكهة : رطب الثمار ؛ والأب : يابسها ؛ يقول القرطبي : وقال أنس : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ هذه الآية قم قال : كل هذا قد عرفناه فما الأب ؟ ثم رفع عصا كانت بيده وقال : هذا لعمر الله التكلف ! وما عليك يا ابن أم عمر ألا تدري ما الأب ؟ ! ثم قال : اتبعوا ما بين لكم من هذا الكتاب ومالا فدعوه .

يقول ابن كثير : فأما ما رواه ابن جرير حيث قال : حدثنا بن بشار حدثنا ابن كثير أبي عدي حدثنا حميد عن أنس قال : قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه : { عبس وتولى } فلما أتى على هذه الآية : { وفاكهة وأبا } قال : قد عرفنا الفاكهة فما الأب ؟ فقال : لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلف ؟ فهو إسناد صحيح ، وقد رواه غير واحد عن أنس به ، وهذا محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه وإلا فهو وكل من قرأ هذه الآية يعلم أنه من نبات الأرض لقوله : { فأنبتنا فيها حبا . وعنبا وقضبا . وزيتونا ونخلا . وحدائق غلبا . وفاكهة وأبا } ؛ { متاعا لكم ولأنعامكم } أنبتنا هذه الأشياء التي يأكلها بنو آدم متاعا لكم أيها الناس ومنفعة ، تتمتعون بها وتنتفعون ، والتي يأكلها الأنعام لأنعامكم من الإبل والبقر والمعز والضأن ؛ وكل دابة ترعى .

وفي هذا امتنان من الله الوهاب الرازق بما أسدى إلينا من نعم ، وبرهان على أنه سبحانه المتفرد بالخلق والتقدير ، والحكمة والتدبير ، فتبارك الله اللطيف الخبير .


[9242]:- يقول القرطبي: {أنا} في موضع خفض على الترجمة عن الطعام، فهو بدل منه، كأنه قال: {فلينظر الإنسان إلى طعامه} إلى أنا صببنا..فلا يحسن الوقوف على {طعامه} من هذه القراءة.اهـ.
[9243]:- سورة النور. من الآية 43.
[9244]:- ما بين العارضتين [ ] مما أورد ابن كثير