مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ} (38)

ثم إنه تعالى منعه عن هذا المطلوب وقال : { إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } واختلفوا في المراد منه على وجوه : أحدها : أن المراد من يوم الوقت المعلوم وقت النفخة الأولى حين يموت كل الخلائق ، وإنما سمي هذا الوقت بالوقت المعلوم ؟ لأن من المعلوم أن يموت كل الخلائق فيه . وقيل : إنما سماه الله تعالى بهذا الاسم ، لأن العالم بذلك الوقت هو الله تعالى لا غيره كما قال تعالى : { إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو } وقال : { إن الله عنده علم الساعة } وثانيها : أن المراد من يوم الوقت المعلوم هو الذي ذكره إبليس وهو قوله : { إلى يوم يبعثون } وإنما سماه تعالى بيوم الوقت المعلوم ؟ لأن إبليس لما عينه وأشار إليه بعينه صار ذلك كالمعلوم .

فإن قيل : لما أجابه الله تعالى إلى مطلوبه لزم أن لا يموت إلى وقت قيام الساعة وبعد قيام القيامة لا يموت أيضا ، فيلزم أن يندفع عنه الموت بالكلية .

قلنا : يحمل قوله : { إلى يوم يبعثون } إلى ما يكون قريبا منه . والوقت الذي يموت فيه كل المكلفين قريب من يوم البعث ، وعلى هذا الوجه فيرجع حاصل هذا الكلام إلى الوجه الأول . وثالثها : أن المراد بيوم الوقت المعلوم يوم لا يعلمه إلا الله تعالى ، وليس المراد منه يوم القيامة .

فإن قيل : إنه لا يجوز أن يعلم المكلف متى يموت ، لأن فيه إغراء بالمعاصي ، وذلك لا يجوز على الله تعالى .

أجيب عنه بأن هذا الإلزام إنما يتوجه إذا كان وقت قيام القيامة معلوما للمكلف . فأما إذا علم أنه تعالى أمهله إلى وقت قيام القيامة إلا أنه تعالى ما أعلمه الوقت الذي تقوم القيامة فيه فلم يلزم منه الإغراء بالمعاصي . وأجيب عن هذا الجواب بأنه وإن لم يعلم الوقت الذي فيه تقوم القيامة على التعيين إلا أنه علم في الجملة أن من وقت خلقه آدم عليه الصلاة والسلام إلى وقت قيام القيامة مدة طويلة فكأنه قد علم أنه لا يموت في تلك المدة الطويلة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ} (38)

{ إلى يَوْمِ الوقت المعلوم } وهو وقت النفخة الأولى كما روى عن ابن عباس ، وعليه الجمهور .

ووصفه بالمعلوم اما على معنى أن الله تعالى استأثر بعلمه أو على معنى معلوم حاله وأنه يصعق فيه من في السموات ومن في الأرض إلا ما شاء الله تعالى ، وقال آخرون : إنه عليه اللعنة أعطى مسؤوله كملا وليس إلا البقاء إلى وقت النفخة الأولى وهو آخر أيام التكليف والوقت المشارف للشيء المتصل به معدود منه فأول يوم الدين وأول يوم البعث كأنه من ذلك الوقت ، واستظهر ذلك بأن الملعون عالم فلا يسأل ما يعلم أنه لا يجاب إليه وبأن ما في الأعراف لعدم ذكر الغاية فيه يدل على الإجابة ؛ واعترض على الأول بأنه غير بين ولا مبين وكونه على غالب الظن لا يجدي في مثله ، وعلى الثاني بأن ترك الغاية في سورة الأعراف يحتمل أن يكون كترك الفاء في الاستنظار والانظار تعويلاً على ما ذكر ههنا وفي سورة ص فإن أيراد كلام واحد على أساليب متعددة غير عزيز في الكتاب العزيز . ومن الناس القائلين بالمغايرة من قال : إن المراد باليوم المعلوم اليوم الذي علم الله تعالى فيه انقضاء أجله وهو يوم خروج الدابة فإنها هي التي تقتله ، وقد قدمنا نقل هذا القول عن بعض السلف وهو من الغرابة بمكان ، وأغرب منه ما قيل : أنه هلك في بعض غزواته صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكرنا قبل أن هذا مما لا يكاد يقبل بظاهره أصلاً ، والمشهور المعول عليه عند الجمهور هو ما ذكرناه من أنه يموت عند النفخة الأولى وبينها وبين النفخة الثانية التي يقوم فيها الخلق لرب العالمين أربعون سنة ، ونقل عن الأحنف بن قيس عليه الرحمة أنه قال : قدمت المدينة أريد أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه فإذا أنا بخلقة عظيمة وكعب الأحبار فيها وهو يقول : لما حضر آدم عليه السلام الوفاة قال : يا رب سيشمت بي عدوي إبليس إذا رآني ميتاً وهو منتظر إلى يوم القيامة فأجيب أن يا آدم إنك سترد إلى الجنة ويؤخر اللعين إلى النظرة ليذوق ألم الموت بعدد الأولين والآخرين ، ثم قال لملك الموت : صف لي كيف تذيقه الموت ؟ فلما وصفه قال : يا رب حسبي فضج الناس وقالوا : يا أبا إسحق كيف ذلك ؟ فأبى وألحوا فقال : يقول الله سبحانه لملك الموت عقيب النفخة الأولى قد جعلت فيك قوة أهل السموات وأهل الأرضين السبع وإني اليوم ألبستك ثواب السخط والغضب كلها فابرز بغضبي وسطوتي على رجيمي إبليس فأذقه الموت وأحمل عليه فيه مرارة الأولين والآخرين من الثقلين أضعافاً مضاعفة وليكن معك من الزبانية سبعون ألفاً قد امتلأوا غيظاً وغضباً وليكن مع كل منهم سلسلة من سلاسل جهنم وغل من أغلالها وانزع روحه المنتن بسبعين ألف كلاب من كلاليبها وناد مالكاً ليفتح أبواب النيران فينزل الملك بصورة لو نظر إلهيا أهل السموات والأرضين لماتوا بغتة من هولها فينتهي إلى إبليس فيقول : قف لي يا خبيث لأذيقنك الموت كم من عمر أدركت وقرن أضللت وهذا هو الوقت المعلوم قال : فيهرب اللعين إلى المشرق فإذا هو بملك الموت بين عينيه فيهرب إلى المغرب فإذا هو به بين عينيه فيغوص البحاري فيثير منها البخاري فلا تقبله فلا يزال يهرب في الأرض ولا محيص له ولا ملاذ ثم يقوم في وسط الدنيا عند قبر آدم عليه السلام ويتمرغ في التراب من المشرق إلى المغرب ومن المغرب إلى المشرق حتى إذا كان في الموضع الذي أهبط فيه آدم عليه السلام وقد نصبت له الزبانية الكلاليب وصارت الأرض كالجمرة احتوشته الزبانية وطعنوه بالكلاليب فيبقى في النزع والعذاب إلى حيث يشاء الله تعالى ، ويقال : آدم وحواء عليهما السلام اطلعا اليوم على عدو كما يذوق الموت فيطلعان فينظران إلى ما هو فيه من شدة العذاب فيقولان ربنا أتممت علينا نعمتك ، وجاء في بعض الأخبار أنه حين لا يجد مفراً يأتي قبر آدم عليه السلام فيحثو التراب على رأسه وينادي يا آدم أنت أصل بليتي فيقال له : يا إبليس اسجد الآن لآدم عليه السلام فيرتفع عنك ما ترى فيقول : كلا لم أسجد له حياً فكيف أسجد له ميتاً ، وهذا إن صح يدل على أن اللعين من العناد بمكان لا تصل إلى غايته الأذهان .