مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ} (86)

قوله تعالى : { أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون } .

اعلم أن الجمع بين تحصيل لذات الدنيا ولذات الآخرة ممتنع غير ممكن والله سبحانه مكن المكلف من تحصيل أيهما شاء وأراد ، فإذا اشتغل بتحصيل أحدهما فقد فوت الآخر على نفسه ، فجعل الله ما أعرض اليهود عنه من الإيمان بما في كتبهم وما حصل في أيديهم من الكفر ولذات الدنيا كالبيع والشراء ، وذلك من الله تعالى في نهاية الذم لهم لأن المغبون في البيع والشراء في الدنيا مذموم حتى يوصف بأنه تغير في عقله فبأن يذم مشتري متاع الدنيا بالآخرة أولى .

أما قوله تعالى : { فلا يخفف عنهم العذاب } ففيه مسألتان :

المسألة الأولى : في دخول الفاء في قوله : { فلا يخفف } قولان ، أحدهما : العطف على { اشتروا } والقول الآخر بمعنى جواب الأمر ، كقولك أولئك الضلال انتبه فلا خير فيهم والأول أوجه لأنه لا حاجة فيه إلى الإضمار .

المسألة الثانية : بعضهم حمل التخفيف على أنه لا ينقطع بل يدوم ، لأنه لو انقطع لكان قد خف ، وحمله آخرون على شدته لا على دوامه والأولى أن يقال : إن العذاب قد يخف بالانقطاع وقد يخف بالقلة في كل وقت أو في بعض الأوقات ، فإذا وصف تعالى عذابهم بأنه لا يخفف اقتضى ذلك نفي جميع ما ذكرناه .

أما قوله تعالى : { ولا هم ينصرون } ففيه وجهان : الأكثرون حملوه على نفي النصرة في الآخرة يعني أن أحدا لا يدفع هذا العذاب عنهم ولا هم ينصرون على من يريد عذابهم ومنهم من حمله على نفي النصرة في الدنيا ، والأول أولى لأنه تعالى جعل ذلك جزاء على صنيعهم ، ولذلك قال : { فلا يخفف عنهم العذاب } وهذه الصفة لا تليق إلا بالآخرة ، لأن عذاب الدنيا وإن حصل فيصير كالحدود التي تقام على المقصر ولأن الكفار قد يصيرون غالبين للمؤمنين في بعض الأوقات .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ} (86)

{ أُولَئِكَ الذين اشتروا الحياة الدنيا بالاخرة } أي آثروا الحياة الدنيا واستبدلوها بالآخرة وأعرضوا عنها مع تمكنهم من تحصيلها { فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب } الموعودون( {[177]} ) به يوم القيامة أو مطلق ( العذاب ) دنيوياً كان أو أخروياً .

{ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } بدفع الخزي إلى آخر الدنيا أو بدفع الجزية في الدنيا ، والتعذيب في العقبى ، وعلى الاحتمال الأول في الأمرين يستفاد نفي دفع العذاب من نفي تخفيفه بأبلغ وجه وآكده ، ورجحه بعضهم بأن المقام على الثاني يستدعي تقديم نفي الدفع على نفي التخفيف ، وتقديم المسند إليه لرعاية الفاصلة والتقوى لا للحصر إذ ليس المقام مقامه ، ولذا لم يقل فلا عنهم يخفف العذاب ، والجملة معطوفة على الصلة . ويجوز أن يوصل الموصول بصلتين مختلفتين زماناً ، وجوز أن يكون ( أولئك ) مبتدأ و( الذين ) خبره ، وهذه الجملة خبر بعد خبر ، والفاء لما أن الموصول إذا كانت صلته فعلاً كان فيها معنى الشرط ، وفيه أن معنى الشرطية لا يسري إلى المبتدأ الواقعة خبراً عنه ، وجوز أيضاً أن يكون ( أولئك ) مبتدأ و( الذين ) مبتدأ ثان ، وهذه الجملة خبر الثاني ، والمجموع خبر الأول ، ولا يحتاج إلى رابط لأن الذين هم أولئك ، ولا يخفى ما فيه هذا .


[177]:_ قوله: الموعودون به كذا بخط مؤلفه وتأمل اهـ مصححه.