المسألة الثانية : قال { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي } وهذا يدل على أن تخليق البشر لا يتم إلا بأمرين التسوية أولا ، ثم نفخ الروح ثانيا ، وهذا حق لأن الإنسان مركب من جسد ونفس .
أما الجسد فإنه إنما يتولد من المني ، والمني إنما يتولد من دم الطمث وهو إنما يتولد من الأخلاط الأربعة ، وهي إنما تتولد من الأركان الأربعة ، ولا بد في حصول هذه التسوية من رعاية مقدار مخصوص لكل واحد منها ، ومن رعاية كيفية امتزاجاتها وتركيباتها ، ومن رعاية المدة التي في مثلها حصل ذلك المزاج الذي لأجله يحصل الاستعداد لقبول النفس الناطقة .
وأما النفس فإليها الإشارة بقوله : { ونفخت فيه من روحي } ولما أضاف الروح إلى نفسه دل على أنه جوهر شريف علوي قدسي ، وذهبت الحلولية إلى أن كلمة ( من ) تدل على التبعيض ، وهذا يوهم أن الروح جزء من أجزاء الله تعالى ، وهذا غاية الفساد ، لأن كل ما له جزء وكل ، فهو مركب وممكن الوجود لذاته ومحدث .
وأما كيفية نفخ الروح ، فاعلم أن الأقرب أن جوهر النفس عبارة عن أجسام شفافة نورانية ، علوية العنصر ، قدسية الجوهر ، وهي تسري في البدن سريان الضوء في الهواء ، وسريان النار في الفحم ، فهذا القدر معلوم . أما كيفية ذلك النفخ فمما لا يعلمه إلا الله تعالى .
المسألة الثالثة : الفاء في قوله : { فقعوا له ساجدين } تدل على أنه كما تم نفخ الروح في الجسد توجه أمر الله عليهم بالسجود ، وأما أن المأمور بذلك السجود ملائكة الأرض ، أو دخل فيه ملائكة السماوات مثل جبريل وميكائيل ، والروح الأعظم المذكور في قوله : { يوم يقوم الروح والملائكة صفا } ففيه مباحث عميقة . وقال بعض الصوفية : الملائكة الذين أمروا بالسجود لآدم ، هم القوى النباتية والحيوانية الحسية والحركية ، فإنها في بدن الإنسان خوادم النفس الناطقة ، وإبليس الذي لم يسجد هو القوة الوهمية التي هي المنازعة لجوهر العقل ، والكلام فيه طويل . وأما بقية المسائل وهي : كيفية سجود الملائكة لآدم ، وأن ذلك هل يدل على كونه أفضل من الملائكة أم لا ، وأن إبليس هل كان من الملائكة أم لا ، وأنه هل كان كافرا ، أصليا أم لا ، فكل ذلك تقدم في سورة البقرة وغيرها .
وقوله تعالى : { إِلاَّ إِبْلِيسَ } استثناء متصل لما أنه وإن كان جنياً معدود في زمرة الملائكة موصوف بصفاتهم لا يقوم ولا يقعد إلا معهم فشملته الملائكة تغليباً ثم استثني استثناء واحد منهم أو لأن من الملائكة جنساً يتوالدون وهو منهم أو هو استثناء منقطع ، وقوله تعالى : { استكبر } على الأول : استئناف مبين لكيفية ترك السجود المفهوم من الاستثناء فإن تركه يحتمل أن يكون للتأمل والتروي وبه يتحقق أنه للإباء والاستكبار وعلى الثاني : يجوز اتصاله بما قبله أي لكن إبليس استكبر وتعظيم { وَكَانَ مِنَ الكافرين } أي وصار منهم باستكباره وتعاظمه على أمر الله تعالى ، وترك الفاء المؤذنة بالسببية إحالة على فطنة السامع أو لظهور المراد .
وكون التعاظم على أمره عز وجل لاسيما الشفاهي موجباً للكفر مما لا ينبغي أن يشك فيه على أن هذا الاستكبار كان متضمناً استقباح الأمر وعده جوراً ، ويجوز أن يكون المعنى وكان من الكافرين في علم الله تعالى لعلمه عز وجل أنه سيعصيه ويصدر عنه ما يصدر باختياره وخبث طويته واستعداده .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.