مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (85)

ثم قال تعالى : { فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين }

وفيه مسائل :

المسألة الأولى : ظاهر الآية يدل على أنهم إنما استحقوا ذلك الثواب بمجرد القول لأنه تعالى قال : { فأثابهم الله بما قالوا } وذلك غير ممكن لأن مجرد القول لا يفيد الثواب .

وأجابوا عنه من وجهين :

الأول : أنه قد سبق من وصفهم ما يدل على إخلاصهم فيما قالوا ، وهو المعرفة ، وذلك هو قوله { مما عرفوا من الحق } فلما حصلت المعرفة والإخلاص وكمال الانقياد ثم انضاف إليه القول لا جرم كمل الإيمان .

الثاني : روى عطاء عن ابن عباس أنه قال قوله { بما قالوا } يريد بما سألوا ، يعني قولهم { فاكتبنا مع الشاهدين } .

المسألة الثانية : الآية دالة على أن المؤمن الفاسق لا يبقى مخلدا في النار ، وبيانه من وجهين :

الأول : أنه تعالى قال : { وذلك جزاء المحسنين } وهذا الإحسان لابد وأن يكون هو الذي تقدم ذكره من المعرفة وهو قوله { مما عرفوا من الحق } ومن الإقرار به ، وهو قوله { فأثابهم الله بما قالوا } وإذا كان كذلك ، فهذه الآية دالة على أن هذه المعرفة ، وهذا الإقرار يوجب أن يحصل له هذا الثواب ، وصاحب الكبيرة له هذه المعرفة وهذا الإقرار ، فوجب أن يحصل له هذا الثواب ، فأما أن ينقل من الجنة إلى النار وهو باطل بالإجماع ، أو يقال : يعاقب على ذنبه ثم ينقل إلى الجنة وذلك هو المطلوب .

الثاني : هو أنه تعالى قال : { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم } فقوله { أولئك أصحاب الجحيم } يفيد الحصر ، أي أولئك أصحاب الجحيم لا غيرهم ، والمصاحب للشيء هو الملازم له الذي لا ينفك عنه ، فهذا يقتضي تخصيص هذا الدوام بالكفار ، فصارت هذه الآية من هذين الوجهين من أقوى الدلائل على أن الخلود في النار لا يحصل للمؤمن الفاسق .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (85)

{ فَأَثَابَهُمُ الله بِمَا قَالُواْ } أي بسبب قولهم أو بالذي قالوه عن اعتقاد فإن القول إذا لم يقيد بالخلو عن الاعتقاد يكون المراد به المقارن له كما إذا قيل هذا قول فلان لأن القول إنما يصدر عن صاحبه لإفادة الاعتقاد . وقيل : إن القول هنا مجاز عن الرأي والاعتقاد والمذهب كما يقال : هذا قول الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه مثلاً أي هذا مذهبه واعتقاده . وذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد بهذا القول قولهم : { وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ } [ المائدة : 84 ] الخ . واستظهر أبو حيان أنه عنى به قولهم : { رَبَّنَا ءامَنَّا } [ المائدة : 83 ] وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وعطاء أن المراد به { فاكتبنا مَعَ الشاهدين } [ المائدة : 83 ] وقولهم { وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا } [ المائدة : 84 ] الخ ، قال الطبرسي : «فالقول على هذا بمعنى المسألة » وفيه نظر ، والإثابة المجازاة ، وفي «البحر » «أنها أبلغ من الإعطاء لأنها ما تكون عن عمل بخلاف الإعطاء فإنه لا يلزم فيه ذلك » . وقرأ الحسن { فاتاهم الله } .

{ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خاالدين فِيهَا } أبد الآبدين وهو حال مقدرة { وَذَلِكَ } المذكور من الأمر الجليل الشأن { جَزَاء المحسنين } أي جزاؤهم ، وأقيم الظاهر مقام ضميرهم مدحاً لهم وتشريفاً بهذا الوصف الكريم ، ويحتمل أن يراد الجنس ويتدرجون فيه اندراجاً أولياً أي جزاء الذين اعتادوا الإحسان في الأمور .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ فَأَثَابَهُمُ الله بِمَا قَالُواْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } من التجليات الثلاث مع علومها { وذلك جَزَاء المحسنين } [ المائدة : 85 ] المشاهدين للوحدة في عين الكثرة بالاستقامة في الله عز وجل .