ثم قال تعالى { فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين }
المسألة الأولى : قوله { وكلوا } صيغة أمر ، وظاهرها للوجوب لا أن المراد هاهنا الإباحة والتحليل . واحتج أصحاب الشافعي به في أن التطوع لا يلزم بالشروع ، وقالوا : ظاهر هذه الآية يقتضي إباحة الأكل على الإطلاق فيتناول ما بعد الشروع في الصوم ، غايته أنه خص في بعض الصور إلا أن العام حجة في غير محل التخصيص .
المسألة الثانية : قوله { حلالا طيبا } يحتمل أن يكون متعلقا بالأكل ، وأن يكون متعلقا بالمأكول ، فعلى الأول يكون التقدير : كلوا حلالا طيبا مما رزقكم الله ، وعلى التقدير الثاني : كلوا من الرزق الذي يكون حلالا طيبا ، أما على التقدير الأول فإنه حجة المعتزلة على أن الرزق لا يكون إلا حلالا ، وذلك لأن الآية على هذا التقدير دالة على الإذن في أكل كل ما رزق الله تعالى وإنما يأذن الله تعالى في أكل الحلال ، فيلزم أن يكون كل ما كان رزقا كان حلالا ، وأما على التقدير الثاني فإنه حجة لأصحابنا على أن الرزق قد يكون حراما لأنه تعالى خصص إذن الأكل بالرزق الذي يكون حلالا طيبا ولولا أن الرزق قد لا يكون حلالا . وإلا لم يكن لهذا التخصيص والتقييد فائدة .
المسألة الثالثة : لم يقل تعالى : كلوا ما رزقكم ، لكن قال { كلوا مما رزقكم الله } وكلمة ( من ) للتبعيض ، فكأنه قال : اقتصروا في الأكل على البعض واصرفوا البقية إلى الصدقات والخيرات لأنه إرشاد إلى ترك الإسراف كما قال : { ولا تسرفوا } .
المسألة الرابعة : { وكلوا مما رزقكم الله } يدل على أنه تعالى قد تكفل برزق كل أحد . فإنه لو لم يتكفل برزقه لما قال { كلوا مما رزقكم الله } وإذا تكفل الله برزقه وجب أن لا يبالغ في الطلب وأن يعول على وعد الله تعالى وإحسانه ، فإنه أكرم من أن يخلف الوعد ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : «ألا فاتقوا الله وأجملوا في الطلب » أما قوله { واتقوا الله } فهو تأكيد للتوصية بما أمر به ، زاده توكيدا بقوله تعالى : { أنتم به مؤمنون } لأن الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى ما أمر به وعما نهى عنه .
{ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حلالا طَيّباً } أي كلوا ما حل لكم وطاب مما رزقكم الله تعالى فحلالاً مفعول به لكلوا و { مِمَّا رَزَقَكُمُ } إما حال منه وقد كان في الأصل صفة له إلا أن صفة النكرة إذا قدمت صارت حالاً أو متعلق بكلوا و ( من ) ابتدائية . ويحتمل أن يكون في موضع المفعول لكلوا على معنى أنه صفة مفعول له قائمة مقامه أي شيئاً مما رزقكم أو بجعله نفسه مفعولاً بتأويل بعض إلا أن في هذا تكلفاً . و { حلالا } حال من الموضول أو من عائده المحذوف أو صفة لمصدر محذوف أي أكلاً حلالاً . وعلى الوجوه كلها الآية دليل لنا في شمول الرزق للحلال والحرام إذ لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة سوى التأكيد وهو خلاف الظاهر في مثل ذلك .
{ واتقوا الله الذى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ } استدعاء إلى التقوى وامتثال الوصية بوجه حسن . والآية ظاهرة في أن أكل اللذائذ لا ينافي التقوى ، وقد أكل صلى الله عليه وسلم ثريد اللحم ومدحه وكان يحب الحلوى . وقد فصلت الأخبار ما كان يأكله عليه الصلاة والسلام وأواني الكتب ملأى من ذلك . وروي أن الحسن كان يأكل الفالوذج فدخل عليه فرقد السنجي فقال : يا فرقد ما تقول في هذا ؟ فقال : لا آكله ولا أحب أكله فأقبل الحسن على غيره كالمتعجب وقال : لعاب النحل بلعاب البر مع سمن البقر هل يعيبه مسلم ، وذكر الطبرسي أن فيها دلالة على النهي عن الترهب وترك النكاح وقد جاء في غير ما خبر أنه صلى الله عليه وسلم قال : «إن الله تعالى لم يبعثني بالرهبانية » وقال عليه الصلاة والسلام في خبر طويل : «شراركم عزابكم وأراذل موتاكم عزابكم » وعن أنس قال : «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالباءة وينهانا عن التبتل نهياً شديداً » . وعن أبي نجيح قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من كان موسراً لأن ينكح فلم ينكح فليس مني » إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله } أي اجعلوا ما من الله تعالى به عليكم من علوم التجليات ومواهب الأحوال والمقامات غذاء قلوبكم { حلالا طَيّباً واتقوا الله } [ المائدة : 88 ] في حصول ذلك لكم بأن تردوها منه وله ، وجعل غير واحد هذا خطاباً للواصلين من أرباب السلوك حيث أرادوا الرجوع إلى حال أهل البدايات من المجاهدات فنهوا عن ذلك وأمروا بأكل الحلال الطيب ، وفسروا الحلال بما وصل إلى المعارف من خزائن الغيب بلا كلفة ، والطيب ما يقوي القلب في شوق الله تعالى وذكر جلاله ، وقيل : الحلال الطيب ما يأكل على شهود وإلا فعلى ذكر ، فإن الأكل على الغفلة حرام في شرع السلوك ، وقال آخرون : الحلال الطيب هو الذي يراه العارف في خزانة القدر فيأخذه منها بوصف الرضا والتسليم ، والحرام ما قدر لغيره وهو يجتهد في طلبه لنفسه
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.