مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ذَوَاتَآ أَفۡنَانٖ} (48)

ثم قال تعالى : { ذواتا أفنان ، فبأي آلاء ربكما تكذبان } هي جمع فنن أي ذواتا أغصان أو جمع فن أي فيهما فنون من الأشجار وأنواع من الثمار . فإن قيل : أي الوجهين أقوى ؟ نقول : الأول لوجهين ( أحدهما ) أن الأفنان في جمع فنن هو المشهور والفنون في جمع الفن كذلك ، ولا يظن أن الأفنان والفنون جمع فن بل كل واحد منهما جمع معرف بحرف التعريف والأفعال في فعل كثير والفعول في فعل أكثر ( ثانيهما ) قوله تعالى : { فيهما من كل فاكهة زوجان } مستقل بما ذكر من الفائدة ، ولأن ذلك فيما يكون ثابتا لا تفاوت فيه ذهنا ووجودا أكثر ، فإن قيل : كيف تمدح بالأفنان والجنات في الدنيا ذوات أفنان كذلك ؟ نقول : فيه وجهان ( أحدهما ) أن الجنات في الأصل ذوات أشجار ، والأشجار ذوات أغصان ، والأغصان ذوات أزهار وأثمار ، وهي لتنزه الناظر إلا أن جنة الدنيا لضرورة الحاجة وجنة الآخرة ليست كالدنيا فلا يكون فيها إلا ما فيه اللذة وأما الحاجة فلا ، وأصول الأشجار وسوقها أمور محتاج إليها مانعة للإنسان عن التردد في البستان كيفما شاء ، فالجنة فيها أفنان عليها أوراق عجيبة ، وثمار طيبة من غير سوق غلاظ ، ويدل عليه أنه تعالى لم يصف الجنة إلا بما فيه اللذة بقوله : { ذواتا أفنان } أي الجنة هي ذات فنن غير كائن على أصل وعرق بل هي واقفة في الجو وأهلها من تحتها ( والثاني ) من الوجهين هو أن التنكير للأفنان للتكثير أو للتعجب .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ذَوَاتَآ أَفۡنَانٖ} (48)

{ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ } صفة لجنتان وما بينهما اعتراض وسط بينهما تنبيهاً على أن تكذيب كل من الموصوف والصفة موجب للإنكار والتوبيخ ، وجوز أن يكون خبر مبتدأ مقدر أي هما ذواتاً ، وأياً مّا كان فهو تثنية ذات بمعنى صاحبة فإنه إذا ثنى فيه لغتان ذاتاً على لفظه وهو الأقيس كما يثنى مذكره ذوا ، والأخرى { ذَوَاتَا } برده إلى أصله فإن التثنية ترد الأشياء إل أصولها ، وقد قالوا : أصل ذات ذوات لكن حذفت الواو تخفيفاً ؛ وفرقا بين الواحد والجمع ودلت التثنية ورجوع الواو فيها على أصل الواحد وليس هو تثنية الجمع كما يتوهم وتفصيله في باب التثنية من شرح التسهيل ، والأفنان إما جمع فن بمعنى النوع ولذا استعمل في العرف بمعنى العلم أي ذواتاً أنواع من الأشجار والثمار ، وروي ذلك عن ابن عباس . وابن جبير . والضحاك ، وعليه قول الشاعر

: ومن كل ( أفنان ) اللذاذة والصبا *** لهوت به والعيش أخضر ناضر

وإما جمع فنن وهو ما دق ولأن من الأغصان كما قال ابن الجوزي ، وقد يفسر بالغصن ، وحمل على التسامح وتخصيصها بالذكر مع أنها ذواتاً قصب وأوراق وثمار أيضاً لأنها هي التي تورق وتثمر . فمنها تمتد الظلال . ومنها تجني الثمار ففي الوصف تذكير لهما فكأنه قيل : { ذَوَاتَا } ثمار وظلال لكن على سبيل الكناية وهي أخصر وأبلغ ، وتفسيره بالأغصان على أنه جمع غنن مروى عن ابن عباس أيضاً ، وأخرجه ابن جرير عن مجاهد قال أبو حيان : وهو أولى لأن أفعالاً في فعل أكثر منه في فعل بسكوت العين كفن ، ويجمع هو على فنون .