مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمۡ جَزَآءٗ وَكَانَ سَعۡيُكُم مَّشۡكُورًا} (22)

واعلم أنه تعالى لما تمم شرح أحوال السعداء ، قال تعالى : { إن هذا كان لكم جزاءا وكان سعيكم مشكورا } .

اعلم أن في الآية وجهين ( الأول ) : قال ابن عباس المعنى أنه يقال لأهل الجنة بعد دخولهم فيها ، ومشاهدتهم لنعيمها : إن هذا كان لكم جزاء قد أعده الله تعالى لكم إلى هذا الوقت ، فهو كله لكم بأعمالكم على قلة أعمالكم ، كما قال حاكيا عن الملائكة : إنهم يقولون لأهل الجنة : { سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } وقال : { كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية } والغرض من ذكر هذا الكلام أن يزداد سرورهم ، فإنه يقال للمعاقب : هذا بعملك الرديء فيزداد غمه وألم قلبه ، ويقال للمثاب : هذا بطاعتك ، فيكون ذلك تهنئة له وزيادة في سروره ، والقائل بهذا التفسير جعل القول مضمرا ، أي ويقال لهم : هذا الكلام ( الوجه الثاني ) : أن يكون ذلك إخبارا من الله تعالى لعباده في الدنيا ، فكأنه تعالى شرح جواب أهل الجنة ، أن هذا كان في علمي وحكمي جزاء لكم يا معاشر عبادي ، لكم خلقتها ، ولأجلكم أعددتها ، وبقي في الآية سؤالان :

السؤال الأول : إذا كان فعل العبد خلقا لله ، فكيف يعقل أن يكون فعل الله جزاء على فعل الله ؟ الجواب : الجزء هو الكافي ، وذلك لا ينافي كونه فعلا لله تعالى .

السؤال الثاني : كون سعي العبد مشكورا لله يقتضي كون الله شاكرا له ( والجواب ) : كون الله تعالى شاكرا للعبد محال إلا على وجه المجاز ، وهو من ثلاثة أوجه الأول : قال القاضي : إن الثواب مقابل لعلمهم ، كما أن الشكر مقابل للنعم ( الثاني ) : قال القفال : إنه مشهور في كلام الناس ، أن يقولوا : للراضي بالقليل والمثني به إنه شكور ، فيحتمل أن يكون شكر الله لعباده هو رضاه عنهم بالقليل من الطاعات ، وإعطاؤه إياهم عليه ثوابا كثيرا ( الوجه الثالث ) : أن منتهى درجة العبد أن يكون راضيا من ربه مرضيا لربه على ما قال : { يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية } وكونها راضية من ربه ، أقل درجة من كونها مرضية لربه ، فقوله : { إن هذا كان لكم جزاء } إشارة إلى الأمر الذي به تصير النفس راضية من ربه وقوله : { وكان سعيكم مشكورا } إشارة إلى كونها مرضية لربه ، ولما كانت هذه الحال أعلى المقامات وآخر الدرجات لا جرم وقع الختم عليها في ذكر مراتب أحوال الأبرار والصديقين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمۡ جَزَآءٗ وَكَانَ سَعۡيُكُم مَّشۡكُورًا} (22)

{ إِنَّ هَذَا } الذي ذكر من فنون الكرامات الجليلة الشأن { كَانَ لَكُمْ جَزَاء } بمقابلة أعمالكم الصالحة التي اقتضاها حسن استعدادكم واختياركم والظاهر أن المجيء بالفعل للتحقيق والدوام وجوز أن يكون المراد كان في علمي وحكمي وكذا في قوله تعالى : { وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً } أي مرضياً مقبولاً أو مجازى عليه غير مضيع والكلام على ما روي عن ابن عباس على إضمار القول أي ويقال لهم بعد دخولهم الجنة ومشاهدتهم ما أعد لهم أن هذا الخ والغرض أن يزداد سرورهم فإنه يقال للمعاقب هذا بعملك الرديء فيزداد غمه وللمثاب هذا بطاعتك وعملك الحسن فيزداد سروره ويكون ذلك تهنئة له وجوز أن يكون خطاباً من الله تعالى في الدنيا كأنه سبحانه بعد أن شرح ثواب أهل الجنة قال : إن هذا كان في علمي وحكمي جزاءً لكم يا معشر عبادي وكان سعيكم مشكوراً قيل وهو لا يغني عن الإضمار ليرتبط بما قبله وقد ذكر سبحانه من الجزاء ما تهش له الألباب وأعقبه جل وعلا بما يدل على الرضا الذي هو أعلى وأغلى لدى الأحباب

. إذا كنت عني يا منى القلب راضيا *** أرى كل من في الكون لي يتبسم

وروي من طرق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه السورة وقد أنزلت عليه وعنده رجل من الحبشة أسود فلما بلغ صفة الجنان زفر زفرة خرجت نفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج نفس صاحبكم الشوق إلى الجنة ولما ذكر سبحانه أولاً حال الإنسان وقسمه إلى الطائع والعاصي وأمعن جل شأنه فيما أعده للطائع مشيراً إلى عظم سعة الرحمة ذكر ما شرف به نبيه صلى الله عليه وسلم إزالة لوحشته وتقوية لقلبه فقال عز قائلاً : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ القرآن تَنزِيلاً } .