مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلًا أَصۡحَٰبَ ٱلۡقَرۡيَةِ إِذۡ جَآءَهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ} (13)

قوله تعالى : { واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون }

وفيه وجهان ، والترتيب ظاهر على الوجهين الوجه الأول : هو أن يكون المعنى واضرب لأجلهم مثلا والثاني : أن يكون المعنى واضرب لأجل نفسك أصحاب القرية لهم مثلا أي مثلهم عند نفسك بأصحاب القرية وعلى الأول نقول لما قال الله : { إنك لمن المرسلين } وقال : { لتنذر } قال قل لهم : { ما كنت بدعا من الرسل } بل قبلي بقليل جاء أصحاب القرية مرسلون وأنذروهم بما أنذرتكم وذكروا التوحيد وخوفوا بالقيامة وبشروا بنعيم دار الإقامة ، وعلى الثاني نقول لما قال الله تعالى إن الإنذار لا ينفع من أضله الله وكتب عليه أنه لا يؤمن قال للنبي عليه الصلاة والسلام فلا تأس واضرب لنفسك ولقومك مثلا ، أي مثل لهم عند نفسك مثلا حيث جاءهم ثلاثة رسل ولم يؤمنوا وصبر الرسل على القتل والإيذاء ، وأنت جئتهم واحدا وقومك أكثر من قوم الثلاثة فإنهم جاؤا قرية وأنت بعثت إلى العالم ، وفي التفسير مسائل :

المسألة الأولى : ما معنى قول القائل ضرب مثلا ؟ وقوله تعالى : { واضرب } مع أن الضرب في اللغة ، إما إمساس جسم جسما بعنف ، وإما السير إذا قرن به حرف في كقوله تعالى : { إذا ضربتم في الأرض } نقول قوله ضرب مثلا معناه مثل مثلا ، وذلك لأن الضرب اسم للنوع يقال هذه الأشياء من ضرب واحد أي اجعل هذا وذاك من ضرب واحد .

المسألة الثانية : أصحاب القرية ، معناه واضرب لهم مثلا مثل أصحاب القرية فترك المثل وأقيم الأصحاب مقامه في الإعراب كقوله : { واسأل القرية } هذا قول الزمخشري في الكشاف ، ويحتمل أن يقال لا حاجة إلى الإضمار بل المعنى اجعل أصحاب القرية لهم مثلا أو مثل أصحاب القرية بهم .

المسألة الثالثة : { إذ جاءها المرسلون } ، ( إذ ) منصوبة لأنها بدل من ( أصحاب القرية ) كأنه قال تعالى : { واضرب لهم } وقت مجيء المرسلين ومثل ذلك الوقت بوقت مجيئك ، وهذا أيضا قول الزمخشري وعلى قولنا إن هذا المثل مضروب لنفس محمد صلى الله عليه وسلم تسلية فيحتمل أن يقال إذا ظرف منصوب بقوله : { اضرب } أي اجعل الضرب ، كأنه حين مجيئهم وواقع فيه ، والقرية أنطاكية والمرسلون من قوم عيسى وهم أقرب مرسل أرسل إلى قوم إلى زمان محمد صلى الله عليه وسلم وهم ثلاثة كما بين الله تعالى وقوله : { إذ أرسلنا } يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون إذ أرسلنا بدلا من إذ جاءها كأنه قال الضرب لهم مثلا ، إذ أرسلنا إلى أصحاب القرية اثنين وثانيهما : وهو الأصح والأوضح أن يكون إذ ظرفا والفعل الواقع فيه جاءها أي جاءها المرسلون حين أرسلناهم إليهم أي لم يكن مجيئهم من تلقاء أنفسهم وإنما جاءوهم حيث أمروا ، وهذا فيه لطيفة : وهي أن في الحكاية أن الرسل كانوا مبعوثين من جهة عيسى عليه السلام أرسلهم إلى أنطاكية فقال تعالى : إرسال عيسى عليه السلام هو إرسالنا ورسول رسول الله بإذن الله رسول الله فلا يقع لك يا محمد أن أولئك كانوا رسل الرسول وأنت رسول الله فإن تكذيبهم كتكذيبك فتتم التسلية بقوله : { إذ أرسلنا } وهذا يؤيد مسألة فقهية وهي أن وكيل الوكيل بإذن الموكل وكيل الموكل لا وكيل الوكيل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه وينعزل إذا عزله الموكل الأول ، وهذا على قولنا : { واضرب لهم مثلا } ضرب المثل لأجل محمد صلى الله عليه وسلم ظاهر .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلًا أَصۡحَٰبَ ٱلۡقَرۡيَةِ إِذۡ جَآءَهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ} (13)

ضربُ المثل : تشبيه حالٍ غريبة بأخرى مثلها .

القرية : يقول كثير من المفسرين إنها أنطاكية ، والرسل غير معروفين ولم يردْ خبر صحيح عنهم .

يذكّرهم الله تعالى بقومٍ مثلهم في الكفر والعناد والإصرار على التكذيب ، فيقول : اذكر لقومك أيها النبي ، قصةَ أهل قريةِ أنطاكية لمّا أرسلنا إليهم الرسلَ لهدايتهم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلًا أَصۡحَٰبَ ٱلۡقَرۡيَةِ إِذۡ جَآءَهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ} (13)

{ واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أصحاب القرية } إما عطف على ما قبله عطف القصة على القصة وأما عطف على مقدر أي فأنذرهم واضرب لهم الخ ، وضرب المثل يستعمل تارة في تطبيق حالة غريبة بأخرى مثلها كما في قوله تعالى : { ضَرَبَ الله مَثَلاً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ امرأت نُوحٍ } [ التحريم : 0 1 ] الآية وأخرى في ذكر حالة غريبة وبيانها للناس من غير قصد إلى تطبيقها بنظيرة لها كما في قوله تعالى : { وَضَرَبْنَا لَكُمُ الامثال } [ إبراهيم : 5 4 ] في وجه أي بينا لكم أحوالاً بديعة هي في الغرابة كالأمثال . فالمعنى على الأول اجعل أصحاب القرية مثلاً لهؤلاء في الغلو في الكفر والإصرار على التكذيب أي طبق حالهم بحالهم على أن { مَثَلاً } مفعول ثان لا ضرب { وأصحاب القرية } مفعول الأول أخر عنه ليتصل به ما هو شرحه وبيانه ، وعلى الثاني اذكر وبين لهم قصة هي في الغرابة كالمثل ، وقوله سبحانه : { أصحاب القرية } بتقدير مضاف أي مثل أصحاب القرية وهذا المضاف بدل كل من كل أو عطف بيان له على القول بجواز اختلافهما تعريفاً وتنكيراً ، وجوز أن يكون المقدر مفعولاً وهذا حالاً .

والقرية كما روى عن ابن عباس . وبريدة . وعكرمة انطاكية ، وفي «البحر » إنها هي بلا خلاف .

{ إِذْ جَاءهَا المرسلون } بدل اشتمال { مِنْ أصحاب * القرية } أو ظرف للمقدر ، وجوز أن يكون بدل كل من { أصحاب } مراداً بهم قصتهم وبالظرف ما فيه وهو تكلف لا داعي إليه ، وقيل ، إذ جاءها دون إذ جاءهم إشارة إلى أن المرسلين أتوهم في مقرهم ، والمسلون عند قتادة . وغيره من أجلة المفسرين رسل عيسى عليه السلام من الحواريين بعثهم حين رفع إلى السماء ،

/خ13