وقوله تعالى : { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } لا شبهة في أن المراد إني أول من تمسك بالعبادات التي أرسلت بها ، وفي هذه الآية فائدتان :
الفائدة الأولى : كأنه يقول إني لست من الملوك الجبابرة الذين يأمرون الناس بأشياء وهم لا يفعلون ذلك ، بل كل ما أمرتكم به فأنا أول الناس شروعا فيه وأكثرهم مداومة عليه .
الفائدة الثانية : أنه قال : { إني أمرت أن أعبد الله } والعبادة لها ركنان عمل القلب وعمل الجوارح ، وعمل القلب أشرف من عمل الجوارح ، فقدم ذكر الجزء الأشرف وهو قوله : { مخلصا له الدين } ثم ذكر عقيبه الأدون وهو عمل الجوارح وهو الإسلام ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الإسلام في خبر جبريل عليه السلام بالأعمال الظاهرة ، وهو المراد بقوله في هذه الآية : { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } وليس لقائل أن يقول ما الفائدة في تكرير لفظ { أمرت } لأنا نقول ذكر لفظ { أمرت } أولا في عمل القلب وثانيا في عمل الجوارح ولا يكون هذا تكريرا .
الفائدة الثالثة : في قوله : { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } التنبيه على كونه رسولا من عند الله واجب الطاعة ، لأن أول المسلمين في شرائع الله لا يمكن أن يكون إلا رسول الله ، لأن أول من يعرف تلك الشرائع والتكاليف هو الرسول المبلغ .
{ وَأُمِرْتُ لاِنْ أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين } أي وأمرت بذلك لأجل أن أكون مقدم المسلمين في الدنيا والآخرة لأن إحراز قصب السبق في الدين بالإخلاص فيه وإخلاصه عليه الصلاة والسلام أتم من إخلاص كل مخلص فالمراد بالأولية الأولية في الشرف والرتبة ، والعطف لمغايرة الثاني الأول بتقييده بالعلة والإشعار بأن العبادة المذكورة كما تقتضي الأمر بها لذاتها تقتضيه لما يلزمها من السبق في الدين ، وإلى حذف متعلق الأمر وكون اللام تعليلية ذهب البصريون في هذه الآية ونحوها ؛ وذهب غيرهم إلى أنها زائدة ، واستدل له بتركها في قوله تعالى : { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين } [ النمل : 91 ] { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المؤمنين } [ يونس : 104 ] { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ } [ الأنعام : 14 ] وكل ذلك محتمل لتقدير اللام فلا تغفل ؛ ولا تزاد إلا مع أن لفظاً أو تقديراً دون الاسم الصريح وذلك لأن الأصل في المفعول به أن يكون اسماً صريحاً فكأنها زيدت عوضاً من ترك الأصل إلى ما يقول مقامه كما يعوض السين في اسطاع عوضاً من ترك الأصل الذي هو أطوع ، وهذه الزيادة وإن كانت شاذة قياساً إلا أنها لما كثرت استعمالاً جاز استعمالها في القرآن والكلام الفصيح ، ومثل هذا يقال في زيادتها مع فعل الإرادة نحو أردت لأن أفعل . وجعل الزمخشري وجه زيادتها معه أنها لما كان فيها معنى الإرادة زيدت تأكيداً لها وجعل وجهاً في زيادتها مع فعل الأمر أيضاً لاسيما والطلب والإرادة عندهم من باب واحد ، وفي المعنى أوجه أن أكون أول من أسلم في زماني ومن قومي أي إسلاماً على وفق الأمر ، وأن أكون أول الذين دعوتهم إلى الإسلام إسلاماً ، وأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره لأكون مقتدى بي قولي وفعلي جميعاً ولا تكون صفتي صفة الملوك الذين يأمرون بما لا يفعلون ، وأن أفعل ما أستحق به الأولية والشرف من أعمال السابقين دلالة على السبب وهي الأعمال التي يستحق بها الشرف بالمسبب وهو الأولية والشرف المذكور في «النظم الجليل » ذكر ذلك الزمخشري . وفي «الكشف » المختار من الأوجه الأربعة الوجه الثاني فإنه المكرر الشائع في القرآن الكريم وفيه سائر المعاني الأخر من موافقة القول الفعل ولزوم أولية الشرف من أولية التأسيس مع أنه ليس فيه أنه أمر بأن يكون أشرف وأسبق فافهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.