مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَٱعۡبُدُواْ مَا شِئۡتُم مِّن دُونِهِۦۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ} (15)

وقوله تعالى : { قل الله أعبد } يفيد الحصر يعني الله أعبد ولا أعبد أحدا سواه ، والدليل عليه أنه لما قال بعد : { قل الله أعبد } قال بعده : { فاعبدوا ما شئتم من دونه } ولا شبهة في أن قوله : { فاعبدوا ما شئتم من دونه } ليس أمرا بل المراد منه الزجر ، كأنه يقول لما بلغ البيان في وجوب رعاية التوحيد إلى الغاية القصوى فبعد ذلك أنتم أعرف بأنفسكم ، ثم بين تعالى كمال الزجر بقوله : { قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم } لوقوعها في هلاك لا يعقل هلاك أعظم منه ، وخسروا أهليهم أيضا لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم ، وإن كانوا من أهل الجنة ، فقد ذهبوا عنهم ذهابا لا رجوع بعده البتة ، وقال ابن عباس : إن لكل رجل منزلا وأهلا وخدما في الجنة ، فإن أطاع أعطى ذلك ، وإن كان من أهل النار حرم ذلك فخسر نفسه وأهله ومنزله وورثه غيره من المسلمين ، والخاسر المغبون ، ولما شرح الله خسرانهم وصف ذلك الخسران بغاية الفظاعة فقال : { ألا ذلك هو الخسران المبين } كان التكرير لأجل التأكيد الثاني : أنه تعالى ذكر في أول هذه الكلمة حرف ألا وهو للتنبيه ، وذكر التنبيه في هذا الموضع يدل على التعظيم كأنه قيل إنه بلغ في العظمة إلى حيث لا تصل عقولكم إليها فتنبهوا لها الثالث : أن كلمة ( هو ) : في قوله : { هو الخسران المبين } تفيد الحصر كأنه قيل كل خسران فإنه يصير في مقابلته كل خسران الرابع : وصفه بكونه ( مبينا ) : يدل على التهويل ، وأقول قد بينا أن لفظ الآية يدل على كونه خسرانا مبينا فلنبين بحسب المباحث العقلية كونه خسرانا مبينا ، وأقول نفتقر إلى بيان أمرين إلى أن يكون خسرانا ثم كونه مبينا أما الأول : فتقريره أنه تعالى أعطى هذه الحياة وأعطى العقل ، وأعطى المكنة وكل ذلك رأس المال ، أما هذه الحياة فالمقصود منها أن يكتسب فيها الحياة الطيبة في الآخرة .

وأما العقل فإنه عبارة عن العلوم البديهية وهذه العلوم هي رأس المال والنظر ، والفكر لا معنى له إلا ترتيب علوم ليتوصل بذلك الترتيب إلى تحصيل علوم كسبية ، فتلك العلوم البديهية المسماة بالعقل رأس المال وتركيبها على الوجوه المخصوصة يشبه تصرف التاجر في رأس المال وتركيبها على الوجوه بالبيع والشراء ، وحصول العلم بالنتيجة يشبه حصول الربح ، وأيضا حصول القدرة على الأعمال يشبه رأس المال ، واستعمال تلك القوة في تحصيل أعمال البر والخير يشبه تصرف التاجر في رأس المال ، وحصول أعمال الخير والبر يشبه الربح ، إذا ثبت هذا فنقول : إن من أعطاه الله الحياة والعقل والتمكن ، ثم إنه لم يستفد منها لا معرفة الحق ولا عمل الخير البتة كان محروما عن الربح بالكلية ، وإذا مات فقد ضاع رأس المال بالكلية فكان ذلك خسرانا ، فهذا بيان كونه خسرانا وأما الثاني : وهو بيان كون ذلك الخسران مبينا فهو أن من لم يربح الزيادة ولكنه مع ذلك سلم من الآفات والمضار ، فهذا كما لم يحصل له مزيد نفع لم يحصل له أيضا مزيد ضرر ، أما هؤلاء الكفار فقد استعملوا عقولهم التي هي رأس مالهم في استخراج وجوه الشبهات وتقوية الجهالات والضلالات ، واستعملوا قواهم وقدرهم في أفعال الشر والباطل والفساد ، فهم قد جمعوا بين أمور في غاية الرداءة أولها : أنهم أتعبوا أبدانهم وعقولهم طلبا في تلك العقائد الباطلة والأعمال الفاسدة وثانيها : أنهم عند الموت يضيع عنهم رأس المال من غير فائدة وثالثها : أن تلك المتاعب الشديدة التي كانت موجودة في الدنيا في نصرة تلك الضلالات تصير أسبابا للعقوبة الشديدة والبلاء العظيم بعد الموت ، وعند الوقوف على هذه المعاني يظهر أنه لا يعقل خسران أقوى من خسرانهم ، ولا حرمان أعظم من حرمانهم ، ونعوذ بالله منه .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{فَٱعۡبُدُواْ مَا شِئۡتُم مِّن دُونِهِۦۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ} (15)

أما أنتم أيها الجاحدون ، فاعبدوا ما شئتم من الأصنام والأرباب من دون الله . وذكِّرهم أيها الرسول ، أن الخاسرين هم الذين أضاعوا أنفسَهم بضلالهم ، وخسروا أهلهم بإضلالهم ، وإن ذلك هو الخسران الكبير .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَٱعۡبُدُواْ مَا شِئۡتُم مِّن دُونِهِۦۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ} (15)

{ فاعبدوا مَا شِئْتُمْ } أن تعبدوه { مِن دُونِهِ } عز وجل ، وفيه من الدلالة على شدة الغضب عليهم ما لا يخفى كأنهم لما لم ينتهوا عما نهوا عنه أمروا به كي يحل بهم العقاب { قُلْ إِنَّ الخاسرين } أي الكاملين في الخسران وهو إضاعة ما بهم وإتلاف ما لا بد منه لجمعهم أعاظم أنواع الخسران { الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ } باختيارهم الكفر لهما فالمراد بالأهل أتباعهم الذين أضلوهم أي أضاعوا أنفسهم وأضاعوا أهليهم وأتلفوهما { يَوْمُ القيامة } حين يدخلون النار حيث عرضوهما للعذاب السرمدي وأوقعوهما في هلكة ما وراءها هلكة ؛ ولو أبقى يوم القيامة على ظاهره لأنه يتبين فيه أمرهم ويتحقق مبدأ خسرانهم صح على ما قيل ، وقيل : المراد بالأهل الاتباع مطلقاً وخسرانهم إياهم لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروا هم كما خسروا أنفسهم وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهاباً لا إياب بعده ، وتعقب بأن المحذور ذهاب من لو آب لانتفع به الخاسر وذلك غير متصور في الشق الأخير ، وقيل : المراد بالأهل ما أعده الله تعالى لمن يدخل الجنة من الخاصة أي وخسروا أهليهم الذين كانوا يكونون لهم في الجنة لو آمنوا ، أخرج عبد الرزاق . وعبد بن حميد عن قتادة قال : ليس أحد إلا قد أعد الله تعالى له أهلاً في الجنة إن أطاعه ، وأخرج نحوه عن مجاهد ، وروي أيضاً عن ميمون بن مهران وكلهم ذكروا ذلك في الآية ، وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس أنه قال فيها أيضاً : خسروا أهليهم من أهل الجنة كانوا أعدوا لهم لو عملوا بطاعة الله تعالى فغبنوهم ، وهو الذي يقتضيه كلام الحسن فقد روي عنه أنه فسر الأهل بالحور العين ، ولا يخفى أن حمل الآية على ذلك لا يخلو عن بعد .

وأياً ما كان فليس المراد مجرد تعريف الكاملين في الخسران بما ذكر بل بيان أنهم المخاطبون بما تقدم إما بجعل الموصول عبارة عنهم أو بجعله عبارة عما هم مندرجون فيه اندراجاً أولياً ، وما في قوله تعالى : { أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الخسران المبين } من استئناف الجملة ، وتصديرها بحرف التنبيه والإشارة بذلك إلى بعد منزلة المشار إليه في الشر وأنه لعظمه بمنزلة المحسوس وتوسيط ضمير الفصل وتعريف الخسران والإتيان به على فعلان الأبلغ من فعل ووصفه بالمبين من الدلالة على كمال هوله وفظاعته وأنه لا نوع من الخسر وراءه ما لا يخفى .

ومن باب الإشارة : { قُلْ إِنَّ الخاسرين الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ } أي الذين تبين خسران أنفسهم بإفساد استعدادها للوصول والوصال { وَأَهْلِيهِمْ } من القلوب والإسرار والأرواح بالإعراض عن طلب المولى { يَوْمُ القيامة } الذي تتبين فيه الحقائق { ذلك هُوَ الخسران المبين } [ الزمر : 15 ] الذي لا خفاء فيه لفوات رأس المال وعدم إمكان التلافي ، وقال بعض الأجلة : إن للإنسان قوتين يستكمل بإحداهما علماً وبالأخرى عملاً ، والآلة الواسطة في القسم الأول هي العلوم المسماة بالمقدمات وترتيبها على الوجه المؤدي إلى النتائج التي هي بمنزلة الربح يشبه تصرف التاجر في رأس المال بالبيع والشراء ، والآلة في القسم العملي هو القوى البدنية وغيرها من الأسباب الخارجية المعينة عليها ، واستعمال تلك القوى في وجوه أعمال البر التي هي بمنزلة الربح يشبه التجارة ، فكل من أعطاه الله تعالى العقل والصحة والتمكين ثم إنه لم يستفد منها معرفة الحق ولا عمل الخير فإذا مات فات ربحه وضاع رأس ماله ووقع في عذاب الجهل وألم البعد عن عالمه والقرب مما يضاده أبد الآباد ، فلا خسران فوق هذا ولا حرمان أبين منه ، وقد أشار سبحانه إلى هذا بقوله تعالى : { لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } [ الزمر : 16 ] وهذا على الأول إشارة إلى إحاطة نار الحسرة بهم