مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{لَهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ ظُلَلٞ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحۡتِهِمۡ ظُلَلٞۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥۚ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ} (16)

ولما شرح الله تعالى أحوال حرمانهم عن الربح وبين كيفية خسرانهم ، بين أنهم لم يقتصروا على الحرمان والخسران ، بل ضموا إليه استحقاق العذاب العظيم والعقاب الشديد ، فقال : { لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل } والمراد إحاطة النار بهم من جميع الجوانب ، ونظيره في الأحوال النفسانية إحاطة الجهل والحرمان والحرص وسائر الأخلاق الذميمة بالإنسان ، فإن قيل الظلل ما على الإنسان فكيف سمى ما تحته بالظلل ؟ والجواب من وجوه الأول : أنه من باب إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر كقوله : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ، الثاني : أن الذي يكون تحته يكون ظلة لإنسان آخر تحته لأن النار دركات كما أن الجنة درجات والثالث : أن الظلة التحتانية إذا كانت مشابهة للظلة الفوقانية في الحرارة والإحراق والإيذاء ، أطلق اسم أحدهما على الآخر لأجل المماثلة والمشابهة . قال الحسن هم بين طبقتين من النار لا يدرون ما فوقهم أكثر مما تحتهم ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم } وقوله تعالى : { لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش } .

ثم قال تعالى : { ذلك يخوف الله به عباده } أي ذلك الذي تقدم ذكره من وصف العذاب فقوله : { ذلك } مبتدأ وقوله : { يخوف الله به عباده } خبر ، وفي قوله : { يخوف الله به عباده } قولان الأول : التقدير ذلك العذاب المعد للكفار هو الذي يخوف الله به عباده أي المؤمنين ، لأنا بينا أن لفظ العباد في القرآن مختص بأهل الإيمان وإنما كان تخويفا للمؤمنين لأجل أنهم إذا سمعوا أن حال الكفار ما تقدم خافوا فأخلصوا في التوحيد والطاعة الوجه الثاني : أن هذا الكلام في تقدير جواب عن سؤال ، لأنه يقال إنه تعالى غني عن العالمين منزه عن الشهوة والانتقام وداعية الإيذاء ، فكيف يليق به أن يعذب هؤلاء المساكين إلى هذا الحد العظيم ، وأجيب عنه بأن المقصود منه تخويف الكفار والضلال عن الكفر والضلال ، فإذا كان التكليف لا يتم إلا بالتخويف والتخويف لا يكمل الانتفاع به إلا بإدخال ذلك الشيء في الوجود وجب إدخال ذلك النوع من العذاب في الوجود تحصيلا لذلك المطلوب الذي هو التكليف ، والوجه الأول عندي أقرب ، والدليل عليه أنه قال بعده : { يا عباد فاتقون } وقوله : { يا عباد } الأظهر منه أن المراد منه المؤمنون فكأنه قيل المقصود من شرح عذاب الكفار للمؤمنين تخويف المؤمنين في أيها المؤمنون بالغوا في الخوف والحذر والتقوى .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{لَهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ ظُلَلٞ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحۡتِهِمۡ ظُلَلٞۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥۚ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ} (16)

ظُلل : جمع ظُلة ، ما يستظل به من حر أو برد .

ثم فصّل ذلك الخسران وبينه بقوله تعالى : { لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ } : طبقات متراكمة من النار حتى تحيط بهم النار من كل جانب . هذا ما خوّف الله به عباده وحذّرهم منه ، فاتقون يا عبادي ، واحذروا ذلك الشر العظيم . وتلك منّةٌ من الله تعالى تنطوي على غاية اللطف والرحمة منه وهو الغفور الرحيم دائما .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ ظُلَلٞ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحۡتِهِمۡ ظُلَلٞۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥۚ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ} (16)

وقوله تعالى : { لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النار } إلى آخره نوع بيان لخسرانهم بعد تهويله بطريق الإبهام على أن { لَهُمْ } خبر لظلل و { مِنْ } فوقهم متعلق بمحذوف حال من ضميرها في الظرف المقدم لا منها نفسها لضعف الحال من المبتدأ ، وجعلها فاعل الظرف حينئذٍ اتباع لنظر الأخفش وهو ضعيف ، و { مِنَ النار } صفة لظلل .

والكلام جار مجرى التهكم بهم ولذا قيل لهم وعبر عما علاهم من النار بالظلل أي لهم كائنة من فوقهم ظلل كثيرة متراكمة بعضها فوق بعض كائنة من النار { وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } كائنة من النار أيضاً ، والمراد أطباق كثيرة منها وتسميتها ظللاً من باب المشاكلة . وقيل هي ظلل لمن تحتهم في طبقة أخرى من طبقات النار ولا يطرد في أهل الطبقة الأخيرة من هؤلاء الخاسرين إلا أن يقال : إنها للشياطين ونحوهم مما لا ذكر لهم هنا ، وقيل : إن ما تحتهم يلتهب ويتصاعد منه شيء حتى يكون ظلة فسمي ظلة باعتبار ما آل إليه أخيراً وليس بذاك ، والمراد أن النار محيطة بهم { ذلك } العذاب الفظيع { يُخَوّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ } يذكره سبحانه لهم بآيات الوعيد ليخافوا فيجتنبوا ما يوقعهم فيه ، وخص بعضهم العباد بالمؤمنين لأنهم المنفعون بالتخويف وعمم آخرون .

وكذا في قوله سبحانه : { قَلِيلاً وإياي فاتقون } ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي ، ويختلف المراد بالأمر على الوجهين كما لا يخفى ، وهذه عظة من الله جل جلاله وعم نواله منطوية على غاية اللطف والرحمة . وقرئ { فِى عِبَادِي } بالياء .