مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ} (55)

أما قوله : { منها خلقناكم } فاعلم أنه سبحانه لما ذكر منافع الأرض والسماء بين أنها غير مطلوبة لذاتها بل هي مطلوبة لكونها وسائل إلى منافع الآخرة فقال : { منها خلقناكم } وفيه سؤالان :

السؤال الأول : ما معنى قوله : { منها خلقناكم } مع أنه سبحانه وتعالى خلقنا من نطفة على ما بين ذلك في سائر الآيات . والجواب من وجهين : الأول : أنه لما خلق أصلنا وهو آدم عليه السلام من التراب على ما قال : { كمثل آدم خلقه من تراب } لا جرم أطلق ذلك علينا . الثاني : أن تولد الإنسان إنما هو من النطفة ودم الطمث وهما يتولدان من الأغذية ، والغذاء إما حيواني أو نباتي والحيواني ينتهي إلى النبات والنبات إنما يحدث من امتزاج الماء والتراب فصح أنه تعالى خلقنا منها وذلك لا ينافي كوننا مخلوقين من النطفة . والثالث : ذكرنا في قوله تعالى : { هو الذي يصوركم في الأرحام } خبر ابن مسعود أن الله يأمر ملك الأرحام أن يكتب الأجل والرزق والأرض التي يدفن فيها وأنه يأخذ من تراب تلك البقعة ويذره على النطفة ثم يدخلها في الرحم .

السؤال الثاني : ظاهر الآية يدل على أن الشيء قد يكون مخلوقا من الشيء وظاهر قول المتكلمين يأباه . والجواب : إن كان المراد من خلق الشيء من الشيء إزالة صفة الشيء الأول عن الذات وأحداث صفة الشيء الثاني فيه فذلك جائز لأنه لا منافاة فيه ، أما قوله تعالى : { وفيها نعيدكم } فلا شبهة في أن المراد الإعادة إلى القبور حتى تكون الأرض مكانا وظرفا لكل من مات إلا من رفعه الله إلى السماء ، ومن هذا حاله يحتمل أن يعاد إليها أيضا بعد ذلك ، أما قوله تعالى : { ومنها نخرجكم تارة أخرى } ففيه وجوه : أحدها : وهو الأقرب : { ومنها نخرجكم } يوم الحشر والبعث . وثانيها : ومنها نخرجكم ترابا وطينا ثم نحييكم بعد الإخراج وهذا مذكور في بعض الأخبار . وثالثها : المراد عذاب القبر عن البراء قال : « خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فذكر عذاب القبر وما يخاطب به المؤمن والكافر وأنه ترد روحه في جسده ويرد إلى الأرض وأنه تعالى يقول عند إعادتهم إلى الأرض إني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى » واعلم أن الله تعالى عدد في هذه الآيات منافع الأرض وهي أنه تعالى جعلها لهم فراشا ومهادا يتقلبون عليها وسوى لهم فيها مسالك يترددون فيها كيف أرادوا وأنبت فيها أصناف النبات التي منها أقواتهم وعلف دوابهم وهي أصلهم الذي منه يتفرعون ثم هي كفاتهم إذا ماتوا ، ومن ثم قال عليه السلام : « بروا بالأرض فإنها بكم برة » .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ} (55)

ثم بين سبحانه أن هذه الدنيا ومن عليها دارُ ممر ، وأن هناك حياةً أخرى هي الحياة الدائمة فقال :

{ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى } .

من تراب هذه الأرض خلقَ الله آدم وذريته ، وإليها يردّهم بعد الموت ، ومنها يُخرجهم أحياء مرة أخرى للبعث والجزاء .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ} (55)

ولما ذكر كرم الأرض ، وحسن شكرها لما ينزله الله عليها من المطر ، وأنها بإذن ربها ، تخرج النبات المختلف الأنواع ، أخبر أنه خلقنا منها ، وفيها يعيدنا إذا متنا فدفنا فيها ، ومنها يخرجنا تارة أخرى ، فكما أوجدنا منها من العدم ، وقد علمنا ذلك وتحققناه ، فسيعيدنا بالبعث منها بعد موتنا ، ليجازينا بأعمالنا التي عملناها عليها .

وهذان دليلان على الإعادة عقليان واضحان : إخراج النبات من الأرض بعد موتها ، وإخراج المكلفين منها في إيجادهم .