أما قوله : { الحق من ربك } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : يحتمل أن يكون { الحق } خبر مبتدأ محذوف ، أي هو الحق ، وقوله : { من ربك } يجوز أن يكون خبرا بغير خبر ، وأن يكون حالا ، ويجوز أيضا أن يكون مبتدأ خبره : { من ربك } وقرأ علي رضي الله عنه : { لحق من ربك } على الإبدال من الأول ، أي يكتمون الحق من ربك .
المسألة الثانية : الألف واللام في قوله : { الحق } فيه وجهان : الأول : أن يكون للعهد ، والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى الحق الذي في قوله : { ليكتمون الحق } أي هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك ، وأن يكون للجنس على معنى : الحق من الله تعالى لا من غيره يعني إن الحق ما ثبت أنه من الله تعالى كالذي أنت عليه وما لم يثبت أنه من الله كالذي عليه أهل الكتاب فهو الباطل .
أما قوله : { فلا تكونن من الممترين } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : { فلا تكونن من الممترين } في ماذا اختلفوا فيه على أقوال . ( أحدها ) : فلا تكونن من الممترين في أن الذين تقدم ذكرهم علموا صحة نبوتك ، وأن بعضهم عاند وكتم ، قاله الحسن ( وثانيها ) : بل يرجع إلى أمر القبلة . ( وثالثها ) : إلى صحة نبوته وشرعه ، وهذا هو الأقرب لأن أقرب المذكورات إليه قوله : { الحق من ربك } فإذا كان ظاهره يقتضي النبوة وما تشتمل عليه من قرآن ووحي وشريعة ، فقوله : { فلا تكونن من الممترين } وجب أن يكون راجعا إليه .
المسألة الثانية : أنه تعالى وإن نهاه عن الامتراء فلا يدل ذلك على أنه كان شاكا فيه ، وقد تقدم القول في بيان هذه المسألة والله أعلم .
وهنا يوجه الخطاب إلى النبي [ ص ] بعد هذا البيان بشأن أهل الكتاب :
( الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ) . .
ورسول الله [ ص ] ما امترى يوما ولا شك . وحينما قال له ربه في آية أخرى : فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك . . قال : " لا أشك ولا أسأل " . .
ولكن توجيه الخطاب هكذا إلى شخصه [ ص ] يحمل إيحاء قويا إلى من وراءه من المسلمين . سواء منهم من كان في ذلك الحين يتأثر بأباطيل اليهود وأحابيلهم ، ومن يأتي بعدهم ممن تؤثر فيهم أباطيل اليهود وغير اليهود في أمر دينهم .
وما أجدرنا نحن اليوم أن نستمع إلى هذا التحذير ؛ ونحن - في بلاهة منقطعة النظير - نروح نستفتي المستشرقين - من اليهود والنصارى والشيوعيين الكفار - في أمر ديننا ، ونتلقى عنهم تاريخنا ، ونأمنهم على القول في تراثنا ، ونسمع لما يدسونه من شكوك في دراساتهم لقرآننا وحديث نبينا ، وسيرة أوائلنا ؛ ونرسل إليهم بعثات من طلابنا يتلقون عنهم علوم الإسلام ، ويتخرجون في جامعاتهم ، ثم يعودون الينا مدخولي العقل والضمير .
إن هذا القرآن قرآننا . قرآن الأمة المسلمة . وهو كتابها الخالد الذي يخاطبها فيه ربها بما تعمله وما تحذره . وأهل الكتاب هم أهل الكتاب ، والكفار هم الكفار . والدين هو الدين !
{ الحق مِن رَّبّكَ } استئناف كلام قصد به رد الكاتمين ، وتحقيق أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذا فصل ، والحق إما مبتدأ خبره الجار واللام إما للعهد إشارة إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، ولذا ذكر بلفظ المظهر أو الحق الذي كتمه هؤلاء ووضع فيه المظهر موضع المضمر تقريراً لحقيته وتثبيتاً لها ، أو للجنس وهو يفيد قصر جنس الحق على ما ثبت من الله أي أن الحق ذلك كالذي أنت عليه لا غيره كالذي عليه أهل الكتاب ، وإما خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق ، أو هذا الحق ، و{ مِن رَبّكَ } خبر بعد خبر أو حال مؤكدة واللام حينئذٍ للجنس كما في { ذلك الكتاب } [ البقرة : 2 ] ومعناه أن ما يكتمونه هو الحق لا ما يدعونه ويزعمونه ولا معنى حينئذٍ للعهد لأدائه إلى التكرار فيحتاج/ إلى تكلف . وقرأ الإمام علي كرم الله تعالى وجهه { الحق } بالنصب على أنه مفعول { يَعْلَمُونَ } [ البقرة : 146 ] أو بدل ، و{ مِن رَبّكَ } حال منه ، وبه يحصل مغايرته للأول وإن اتحد لفظهما ، وجوز النصب بفعل مقدر كالزم ، وفي التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة من إظهار اللطف به صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى .
{ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } أي الشاكين أو المترددين في كتمانهم الحق عالمين به ، أو في أنه من ربك وليس المراد نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك لأن النهي عن شيء يقتضي وقوعه أو ترقبه من المنهي عنه وذلك غير متوقع من ساحة حضرة الرسالة صلى الله عليه وسلم فلا فائدة في نهيه ، ولأن المكلف به يجب أن يكون اختيارياً ، وليس الشك والتردد مما يحصل بقصد واختيار بل المراد إما تحقيق الأمر وأنه بحيث لا يشك فيه أحد كائناً من كان ، أو الأمر للأمة بتحصيل المعارف المزيلة لما نهى عنه فيجعل النهي مجازاً عن ذلك الأمر وفي جعل امتراء الأمة امتراءه صلى الله عليه وسلم مبالغة لا تخفى ، ولك أن تقول : إن الشك ونحوه وإن لم يكن مقدور التحصيل لكنه مقدور لإزالة البقاء ، ولعل النهي عنه بهذا الاعتبار ولهذا قال الله تعالى : { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } دون فلا تمتر ، ومن ظن أن منشأ الإشكال إفخام الكون لأنه هو الذي ليس مقدوراً فلا ينهى عنه دون الشك والتردد لم يأت بشيء .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.