ثم قال تعالى : { وإن نشأ نغرقهم } إشارة إلى فائدتين أحداهما : أن في حال النعمة ينبغي أن لا يأمنوا عذاب الله وثانيتهما : هو أن ذلك جواب سؤال مقدر وهو أن الطبيعي يقول السفينة تحمل بمقتضى الطبيعة والمجوف لا يرسب فقال ليس كذلك بل لو شاء الله أغرقهم وليس ذلك بمقتضى الطبع ولو صح كلامه الفاسد لكان لقائل أن يقول : ألست توافق أن من السفن ما ينقلب وينكسر ومنها ما يثقبه ثاقب فيرسب وكل ذلك بمشيئة الله فإن شاء الله إغراقهم من غير شيء من هذه الأسباب كما هو مذهب أهل السنة أو بشيء من تلك الأسباب كما تسلم أنت .
وقوله تعالى : { فلا صريخ لهم } أي لا مغيث لهم يمنع عنهم الغرق .
وقوله تعالى : { ولا هم ينقذون } إذا أدركهم الغرق وذلك لأن الخلاص من العذاب ، إما أن يكون بدفع العذاب من أصله أو برفعه بعد وقوعه فقال : لا صريخ لهم يدفع ولا هم ينقذون بعد الوقوع فيه ، وهذا مثل قوله تعالى : { لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون } فقوله : { لا صريخ لهم ولا هم ينقذون } فيه فائدة أخرى غير الحصر وهي أنه تعالى قال لا صريخ لهم ولم يقل ولا منقذ لهم وذلك لأن من لا يكون من شأنه أن ينصر لا يشرع في النصرة مخافة أن يغلب ويذهب ماء وجهه ، وإنما ينصر ويغيث من يكون من شأنه أن يغيث فقال لا صريخ لهم ، وأما من لا يكون من شأنه أن ينقذ إذا رأى من يعز عليه في ضر يشرع في الإنقاذ ، وإن لم يثق بنفسه في الإنقاذ ولا يغلب على ظنه . وإنما يبذل المجهود فقال : { ولا هم ينقذون } ولم يقل ولا منقذ لهم .
( وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون . إلا رحمة منا ومتاعاً إلى حين ) . . والسفينة في الخضم كالريشة في مهب الريح ، مهما ثقلت وضخمت وأتقن صنعها . وإلا تدركها رحمة الله فهي هالكة هالكة في لحظة من ليل أو نهار . والذين ركبوا البحار سواء عبروها في قارب ذي شراع أو في عابرة ضخمة للمحيط ، يدركون هول البحر المخيف ؛ وضآلة العصمة من خطره الهائل وغضبه الجبار . ويحسون معنى رحمة الله ؛ وأنها وحدها العاصم بين العواصف والتيارات في هذا الخلق الهائل الذي تمسك يد الرحمة الإلهية عنانه الجامح ، ولا تمسكه يد سواها في أرض أو سماء . وذلك حتى يقضي الكتاب أجله ، ويحل الموعد المقدور في حينه ، وفق ما قدره الحكيم الخبير : ومتاعاً إلى حين . .
{ وَإِن نَّشَأْ } اغراقهم { نُغْرِقْهُمْ } في الماء مع ما حملناهم فيه من الفلك وما يركبون من السفن والزوارق فالكلام من تمام ما تقدم فإن كان المراد ب { ما } [ يس : 42 ] هناك السفن والزوارق فالأمر ظاهر وإن كان المراد بها الإبل ونحوها كان الكلام من تمام صدر الآية أي نغرقهم مع ما حملناهم فيه من الفلك وكان حديث خلق الإبل ونحوها في البين استطراداً للتماثل ، ولما في ذلك من نوع بعد قيل إن قوله سبحانه : { وَإِن نَّشَأْ } الخ يرجح حمل { الفلك } [ يس : 41 ] على الجنس و { مَا } على السفن والزوارق الموجودة بين بني آدم إلى يوم القيامة ، وفي تعليق الإغراق بمحض المشيئة اشعار بأنه قد تكامل ما يستدعى اهلاكهم من معاصيهم ولم يبق إلا تعلق مشيئته تعالى به ، وقيل إن ذلك إشارة إلى الرد على من يتوهم إن حمل الفلك الذرية من غير أن يغرق أمر تقتضيه الطبيعة ويستدعيه امتناع الخلاء ، وقرأ الحسن { نُغْرِقْهُمْ } بالتشديد { فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ } أي فلا مغيث لهم يحفظهم من الغرق ، وتفسير الصريخ بالمغيث مروى عن مجاهد . وقتادة ، ويكون بمعنى الصارخ وهو المستغيث ولا يراد هنا ، ويكون مصدراً كالصراخ ويتجوز به عن الاغاثة لأن المستغيث ينادي من يستغيث به فيصرح له ويقول جاءك العون والنصر قال المبرد في أول الكامل : قال سلامة بن جندل :
كنا إذا ما أتانا صارخ فزع *** كان الصراخ له فزع المطانيب
يقول إذا أتانا مستغيث كانت إغاثته الجد في نصرته ، وجوز إرادته هنا أي فلا إغاثة لهم { وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ } أي ينجون من الموت به بعد وقوعه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.