مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ} (3)

( والثاني ) : من باب التروك وهو قوله : { ولا يحض على طعام المسكين } والفاء في قوله { فذلك } للسببية أي لما كان كافرا مكذبا كان كفره سببا لدع اليتيم ، وإنما اقتصر عليهما على معنى أن الصادر عمن يكذب بالدين ليس إلا ذلك ، لأنا نعلم أن المكذب بالدين لا يقتصر على هذين بل على سبيل التمثيل ، كأنه تعالى ذكر في كل واحد من القسمين مثالا واحدا تنبيها بذكره على سائر القبائح ، أو لأجل أن هاتين الخصلتين ، كما أنهما قبيحان منكران بحسب الشرع فهما أيضا مستنكران بحسب المروءة والإنسانية ، أما قوله : { يدع اليتيم } فالمعنى أنه يدفعه بعنف وجفوة كقوله : { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } وحاصل الأمر في دع اليتيم أمور ( أحدها ) : دفعه عن حقه وماله بالظلم ( والثاني ) : ترك المواساة معه ، وإن لم تكن المواساة واجبة . وقد يذم المرء بترك النوافل لاسيما إذا أسند إلى النفاق وعدم الدين ( والثالث ) : يزجره ويضربه ويستخف به ، وقرئ ( يدع ) أي يتركه ، ولا يدعوه بدعوة ، أي يدعوا جميع الأجانب ويترك اليتيم مع أنه عليه الصلاة والسلام قال : «ما من مائدة أعظم من مائدة عليها يتيم » وقرئ يدعو اليتيم أي يدعوه رياء ثم لا يطعمه وإنما يدعوه استخداما أو قهرا أو استطالة .

واعلم أن في قوله : { يدع } بالتشديد فائدة ، وهي أن يدع بالتشديد معناه أنه يعتاد ذلك فلا يتناول الوعيد من وجد منه ذلك وندم عليه ، ومثله قوله تعالى : { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم } سمى ذنب المؤمن لمما لأنه كالطيف والخيال يطرأ ولا يبقى ، لأن المؤمن كما يفرغ من الذنب يندم ، إنما المكذب هو الذي يصر على الذنب .

أما قوله : { ولا يحض على طعام المسكين } ففيه وجهان ( أحدهما ) : أنه لا يحض نفسه على طعام المسكين وإضافة الطعام إلى المسكين تدل على أن ذلك الطعام حق المسكين ، فكأنه منع المسكين مما هو حقه ، وذلك يدل على نهاية بخله وقساوة قلبه وخساسة طبعه ( والثاني ) : لا يحض غيره على إطعام ذلك المسكين بسبب أنه لا يعتقد في ذلك الفعل ثوابا ، والحاصل أنه تعالى جعل علم التكذيب بالقيامة الإقدام على إيذاء الضعيف ومنع المعروف ، يعني أنه لو آمن بالجزاء وأيقن بالوعيد لما صدر عنه ذلك ، فموضع الذنب هو التكذيب بالقيامة ، وههنا سؤالان :

السؤال الأول : أليس قد لا يحض المرء في كثير من الأحوال ولا يكون آثما ؟ ( الجواب ) : لأنه غيره ينوب منابه أو لأنه لا يقبل قوله أو لمفسدة أخرى يتوقعها ، أما ههنا فذكر أنه لا يفعل ذلك [ إلا ] لما أنه مكذب بالدين .

السؤال الثاني : لم لم يقل : ولا يطعم المسكين ؟ ( والجواب ) : إذا منع اليتيم حقه فكيف يطعم المسكين من مال نفسه ، بل هو بخيل من مال غيره ، وهذا هو النهاية في الخسة ، فلأن يكون بخيلا بمال نفسه أولى ، وضده في مدح المؤمنين : { وتواصوا بالمرحمة } { وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر }

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ} (3)

والذي لا يحض على طعام المسكين ولا يوصي برعايته . فلو صدق بالدين حقا ، ولو استقرت حقيقة التصديق في قلبه ما كان ليدع اليتيم ، وما كان ليقعد عن الحض على طعام المسكين .

إن حقيقة التصديق بالدين ليست كلمة تقال باللسان ؛ إنما هي تحول في القلب يدفعه إلى الخير والبر بإخوانه في البشرية ، المحتاجين إلى الرعاية والحماية . والله لا يريد من الناس كلمات . إنما يريد منهم معها أعمالا تصدقها ، وإلا فهي هباء ، لا وزن لها عنده ولا اعتبار .

وليس أصرح من هذه الآيات الثلاث في تقرير هذه الحقيقة التي تمثل روح هذه العقيدة وطبيعة هذا الدين أصدق تمثيل .

ولا نحب أن ندخل هنا في جدل فقهي حول حدود الإيمان وحدود الإسلام . فتلك الحدود الفقهية إنما تقوم عليها المعاملات الشرعية . فأما هنا فالسورة تقرر حقيقة الأمر في اعتبار الله وميزانه . وهذا أمر آخر غير الظواهر التي تقوم عليها المعاملات ! !

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ} (3)

يحضّ : يحث ويرغب .

ومن بُخله الشديد أنّه لا يحثّ على مساعَدة المساكين ، ولا يُعطيهم من مالِه شيئا . وذلك كلُّه لأنه لا يؤمن بأنه سيُبعث يومَ القيامة ويحاسَب حساباً عسيرا .