مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ} (12)

قوله تعالى : { في جنات النعيم } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : عرف النعيم باللام هاهنا وقال في آخر السورة : { فروح وريحان وجنت نعيم } بدون اللام ، والمذكور في آخر السورة هو واحد من السابقين فله جنة من هذه الجنات وهذه معرفة بالإضافة إلى المعرفة ، وتلك غير معرفة فما الفرق بينهما ؟ فنقول : الفرق لفظي ومعنوي فاللفظي هو أن السابقين معرفون باللام المستغرقة لجنسهم ، فجعل موضع المعرفين معرفا ، وأما هناك فهو غير معرف ، لأن قوله : { إن كان من المقربين } أي إن كان فردا منهم فجعل موضعه غير معرف مع جواز أن يكون الشخص معرفا وموضعه غير معرف ، كما قال تعالى : { إن المتقين في جنات وعيون } { وإن المتقين في جنات ونهر } وبالعكس أيضا ، وأما المعنوي : فنقول : عند ذكر الجمع جمع الجنات في سائر المواضع فقال تعالى : { إن المتقين في جنات } وقال تعالى : { أولئك المقربون في جنات } لكن السابقون نوع من المتقين ، وفي المتقين غير السابقون أيضا ، ثم إن السابقين لهم منازل ليس فوقها منازل ، فهي صارت معروفة لكونها في غاية العلو أو لأنها لا أحد فوقها ، وأما باقي المتقين فلكل واحد مرتبة وفوقها مرتبة فهم في جنات متناسبة في المنزلة لا يجمعها صقع واحد لاختلاف منازلهم ، وجنات السابقين على حد واحد في على عليين يعرفها كل أحد ، وأما الواحد منهم فإن منزلته بين المنازل ، ولا يعرف كل أحد أنه لفلان السابق فلم يعرفها ، وأما منازلهم فيعرفها كل أحد ، ويعلم أنها للسابقين ، ولم يعرف الذي للمتقين على وجه كذا .

المسألة الثانية : إضافة الجنة إلى النعيم من أي الأنواع ؟ نقول : إضافة المكان إلى ما يقع في المكان يقال : دار الضيافة ، ودار الدعوة ، ودار العدل ، فكذلك جنة النعيم ، وفائدتها أن الجنة في الدنيا قد تكون للنعيم ، وقد تكون للاشتغال والتعيش بأثمان ثمارها ، بخلاف الجنة في الآخرة فإنها للنعيم لا غير .

المسألة الثالثة : في { جنات النعيم } ، يحتمل أن يكون خبرا بعد خبر ، ويحتمل أن يكون خبرا واحدا ، أما الأول فتقديره : ( أولئك المقربون ) كائنون في جنات ، كقوله : { ذو العرش المجيد فعال لما يريد } ، وأما الثاني فتقديرهم المقربون في الجنات من الله كما يقال : هو المختار عند الملك في هذه البلدة ، وعلى الوجه الأول فائدته بيان تنعيم جسمهم ، وكرامة نفسهم فهم مقربون عند الله فهم في غاية اللذة وفي جنات ، فجسمهم في غاية النعيم ، بخلاف المقربين عند الملوك ، فإنهم يلتذون بالقرب لكن لا يكون لجسمهم راحة ، بل يكونون في تعب من الوقوف وقضاء الأشغال ، ولهذا قال : { في جنات النعيم } ولم يقتصر على جنات ، وعلى الوجه الثاني فائدته التمييز عن الملائكة ، فإن المقربين في يومنا هذا في السماوات هم الملائكة والسابقون المقربون في الجنة فيكون المقربون في غيرها هم الملائكة ( وفيه لطيفة ) وهي أن قرب الملائكة قرب الخواص عند الملك الذين هم للأشغال ، فهم ليسوا في نعيم ، وإن كانوا في لذة عظيمة ولا يزالون مشفقين قائمين بباب الله يرد عليهم الأمر ولا يرتفع عنهم التكليف ، والسابقون لهم قرب عند الله ، كما يكون لجلساء الملوك ، فهم لا يكون بيدهم شغل ولا يرد عليهم أمر ، فيلتذون بالقرب ، ويتنعمون بالراحة .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ} (12)

وجنات النعيم كلها لا تساوي ذلك التقريب ، ولا تعدل ذلك النصيب .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ} (12)

1

12- { فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ } .

أي : هم في جنات الخلد يتنعمون فيها ، أي أن لهم فضلا ونعيما معنويا يقربهم من الله ، وهذه منزلة سامية عليا ، ولهم نعيم حسي بتمتعهم بجنات النعيم .

من تفسير ابن كثير

قال ابن أبي حاتم : قالت الملائكة : يا رب جعلت لبني آدم الدنيا ، فهم يأكلون ويشربون ويتزوجون ، فاجعل لنا الآخرة ، فقال : لا أفعل فراجعوا ثلاثا ، فقال : لا أجعل من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان ، ثم قرأ عبد الله : { وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ } .

رواه ابن أبي حاتم ، عن عبد الله بن عمرو موقوفا .

من التفسير المنير

يكون الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف :

أصحاب اليمين ، وأصحاب الشمال ، والسابقون .

أصحاب اليمين : هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة ، ويعطون كتبهم بأيمانهم .

وأصحاب المشأمة : هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار ، ويعطون كتبهم بشمائلهم .

والسابقون : وهم الأنبياء والمرسلون ، والمجاهدون والحكام العدول ، الذين سبقوا إلى الإيمان والطاعة ، والجهاد والتوبة ، والقضاء بالحق ، وهم المقربون بين يدي الله تعالىviii .

وهذه القسمة كقوله تعالى : { فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات . . . } ( فاطر : 32 ) .