مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ تَنزِيلٗا} (23)

قوله تعالى : { إنا نحن نزلنا القرآن تنزيلا } .

اعلم أنه سبحانه بين في أول السورة أن الإنسان وجد بعد العدم بقوله : { هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا } ثم بين أنه سبحانه خلقه من أمشاج ، والمراد منه إما كونه مخلوقا من العناصر الأربعة أو من الأخلاط الأربعة أو من ماء الرجل والمرأة أو من الأعضاء والأرواح أو من البدن والنفس أو من أحوال متعاقبة على ذلك الجسم مثل كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ، وعلى أي هذه الوجوه تحمل هذه الآية ، فلذلك يدل على أنه لا بد من الصانع المختار جل جلاله وعظم كبرياؤه . ثم بين بعد ذلك أني ما خلقته ضائعا عاطلا باطلا ، بل خلقته لأجل الابتلاء والامتحان ، وإليه الإشارة بقوله : { نبتليه } وهاهنا موضع الخصومة العظيمة القائمة بين أهل الجبر والقدر ، ثم ذكر تعالى أني أعطيته جميع ما يحتاج إليه عند الابتلاء والامتحان ، وهو السمع والبصر والعقل ، وإليه الإشارة بقوله : { فجعلناه سميعا بصيرا } ولما كان العقل أشرف الأمور المحتاج إليها في هذا الباب أفرده عن السمع والبصر ، فقال : { إنا هديناه السبيل } ثم بين أن الخلق بعد هذه الأحوال صاروا قسمين : منهم شاكر ، ومنهم كفور ، وهذا الانقسام باختيارهم كما هو تأويل القدرية ، أو من الله على ما هو تأويل الجبرية ، ثم إنه تعالى ذكر عذاب الكفار على الاختصار ، ثم ذكر بعد ذلك ثواب المطيعين على الاستقصاء ، وهو إلى قوله : { وكان سعيكم مشكورا } واعلم أن الاختصار في ذكر العقاب مع الإطناب في شرح الثواب يدل على أن جانب الرحمة أغلب وأقوى ، فظهر مما بينا أن السورة من أولها إلى هذا الموضع في بيان أحوال الآخرة ، ثم إنه تعالى شرع بعد ذلك في أحوال الدنيا ، وقدم شرح أحوال المطيعين على شرح أحوال المتمردين . أما المطيعون فهم الرسول وأمته ، والرسول هو الرأس والرئيس ، فلهذا خص الرسول بالخطاب . واعلم أن الخطاب إما النهي وإما الأمر ، ثم إنه تعالى قبل الخوض فيما يتعلق بالرسول من النهي والأمر ، قدم مقدمة في تقوية قلب الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإزالة الغم والوحشة عن خاطره ، وإنما فعل ذلك ، لأن الاشتغال بالطاعة والقيام بعهدة التكليف لا يتم إلا مع فراغ القلب ثم بعد هذه المقدمة ذكر نهيه عن بعض الأشياء ، ثم بعد الفراغ عن النهي ، ذكر أمره ببعض الأشياء ، وإنما قدم النهي على الأمر ، لأن دفع الضرر أهم من جلب النفع ، وإزالة مالا ينبغي مقدم على تحصيل ما ينبغي ، ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك أحوال المتمردين والكفار على ما سيأتي تفصيل بيانه ، ومن تأمل فيما ذكرناه علم أن هذه السورة ، وقعت على أحسن وجوه الترتيب والنظام ، فالحمد لله الذي نور عقل هذا المسكين الضعيف بهذه الأنوار ، وله الشكر عليه أبد الآباد .

ولنرجع إلى التفسير ، فنقول : أما تلك المقدمة فهي ، قوله تعالى : { إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا } واعلم أن المقصود من هذه الآية تثبيت الرسول وشرح صدره فيما نسبوه إليه من كهانة وسحر ، فذكر الله تعالى أن ذلك وحي من الله ، فلا جرم بالغ وكرر الضمير بعد إيقاعه اسما ، لأن تأكيدا على تأكيد أبلغ ، كأنه تعالى يقول : إن كان هؤلاء الكفار يقولون : إن ذلك كهانة ، فأنا الله الملك الحق أقول على سبيل التأكيد والمبالغة إن ذلك وحي حق وتنزيل صدق من عندي ، وهذا فيه فائدتان :

إحداهما : إزالة الوحشة المتقدمة الحاصلة بسبب طعن أولئك الكفار ، فإن بعض الجهال وإن طعنوا فيه إلا أن جبار السماوات عظمه وصدقه .

والثانية : تقويته على تحمل التكليف المستقبل ، وذلك لأن الكفار كانوا يبالغون في إيذائه ، وهو كان يريد مقاتلتهم فلما أمره الله تعالى بالصبر على ذلك الإيذاء وترك المقاتلة ، وكان ذلك شاقا عليه ، فقال له : { إنا نزلنا عليك القرآن تنزيلا } فكأنه قال له : إني ما نزلت عليك هذا القرآن مفرقا منجما إلا لحكمة بالغة تقتضي تخصيص كل شيء بوقت معين ، ولقد اقتضت تلك الحكمة تأخير الإذن في القتال ، فاصبر لحكم ربك الصادر عن الحكمة المحضة المبرأ عن العيب والعبث والباطل .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ تَنزِيلٗا} (23)

23

( إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا ) .

وهي اللفتة الأولى إلى مصدر التكليف بهذه الدعوة ، وينبوع حقيقتها . . إنها من الله . هو مصدرها الوحيد . وهو الذي نزل بها القرآن . فليس لها مصدر آخر ، ولا يمكن أن تختلط حقيقتها بشيء آخر لا يفيض من هذا الينبوع . وكل ما عدا هذا المصدر لا يتلقى عنه ، ولا يستمد منه ، ولا يستعار لهذه العقيدة منه شيء ، ولا يخلط بها منه شيء . . ثم إن الله الذي نزل هذا القرآن وكلف بهذه الدعوة لن يتركها . ولن يترك الداعي إليها ، وهو كلفه ، وهو نزل القرآن عليه .

ولكن الباطل يتبجح ، والشر ينتفش ، والأذى يصيب المؤمنين ، والفتنة ترصد لهم ؛ والصد عن سبيل الله يملكه أعداء الدعوة ويقومون به ويصرون عليه ، فوق إصرارهم على عقيدتهم وأوضاعهم وتقاليدهم وفسادهم وشرهم الذي يلجون فيه ! ثم هم يعرضون المصالحة ، وقسمة البلد بلدين ، والالتقاء في منتصف الطريق . . وهو عرض يصعب رده ورفضه في مثل تلك الظروف العصيبة !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ تَنزِيلٗا} (23)

تنزيل القرآن ، وذكر الله ، والصلاة له .

{ إنّا نحن نزّلنا عليك القرآن تنزيلا 23 فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا 24 واذكر اسم بكرة وأصيلا 25 ومن الليل فاسجد له وسبّحه ليلا طويلا 26 إن هؤلاء يحبّون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا 27 نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدّلنا أمثالهم تبديلا 28 إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا 29 وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما 30 يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعدّ لهم عذابا أليما 31 }

23

التفسير :

5- إنّا نحن نزّلنا عليك القرآن تنزيلا .

إنا نحن الإله الحق الذي بيده الخلق والأمر ، قد : نزّلنا عليك القرآن تنزيلا . فهذا القرآن من عندنا ومن أمرنا : نزل به الروح الأمين* على قلبك لتكون من المنذرين . ( الشعراء : 193 ، 194 ) .

وهذا القرآن ليس سحرا ولا شعرا ولا كهانة ، ولا أساطير الأولين كما يدعي الكافرون ، وقد أنزلناه منجما مقسطا في ثلاثة وعشرين عاما ، ولم ننزله دفعة واحدة ، بل أنزلناه مفرقا ليجيب على أسئلة السائلين ، ويثبّت المؤمنين ، ويشرح أحكام الدين ، ويقدّم الأدلة على الوحدانية ، وصدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأخبار الأمم السابقة ، ومشاهد القيامة والبعث والحشر والجزاء والعقاب .

فالقرآن كتاب ربنا ، أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم مفرقا لتثبيت فؤاده ، وللرد على أسئلة المشركين وليحمل الدليل على إعجاز القرآن ، فقد تحدّاهم أن يأتوا بمثله ، ثم تحدّاهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات ، ثم تحدّاهم أن يأتوا بسورة واحدة ، وقد عجزوا في كل هذه المراحل مع طول مدة التحدّي ، ومع الحروب المتتابعة التي حصدت رجالهم ، ويتّمت أطفالهم ، ورمّلت نساءهم ، واستمرار التحدّي ، واستمرار الحاجة إلى الرد على القرآن والرسول ، مع وجود الشعراء والبلغاء والفصحاء ، والخطباء والأدباء ، وأسواق الأدب التي يتبارون فيها بالقصيدة المتميزة والشعر الجيد ، والخطبة الفصيحة ، والقول المتميز ، ثم لم يجرؤ واحد منهم أن يقدم مثل القرآن ، ولا مثل عشر سور منه ، ولا مثل سورة واحدة ، ولزمهم العجز إلى يوم الدين .

كما قال تعالى : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا . ( الإسراء : 88 ) .