واعلم أنهم لما أشهدوا عيسى عليه السلام على إيمانهم ، وعلى إسلامهم تضرعوا إلى الله تعالى ، وقالوا : { ربنا ءامنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين } وذلك لأن القوم آمنوا بالله حين قالوا : في الآية المتقدمة { آمنا بالله } ثم آمنوا بكتب الله تعالى حيث قالوا { بما أنزلت } وآمنوا برسول الله حيث ، قالوا { واتبعنا الرسول } فعند ذلك طلبوا الزلفة والثواب ، فقالوا { فاكتبنا مع الشاهدين } وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين فضل يزيد على فضل الحواريين ، ويفضل على درجته ، لأنهم هم المخصوصون بأداء الشهادة قال الله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } [ البقرة : 143 ] الثاني : وهو منقول أيضا عن ابن عباس { فاكتبنا مع الشاهدين } أي اكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه قال الله تعالى : { فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين } [ الأعراف : 6 ] .
وقد أجاب الله تعالى دعاءهم وجعلهم أنبياء ورسلا ، فأحيوا الموتى ، وصنعوا كل ما صنع عيسى عليه السلام .
والقول الثالث : { فاكتبنا مع الشاهدين } أي اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق ، والمقصود من هذا أنهم لما أشهدوا عيسى عليه السلام على إسلام أنفسهم ، حيث قالوا { واشهد بأنا مسلمون } فقد أشهدوا الله تعالى على ذلك تأكيدا للأمر ، وتقوية له ، وأيضا طلبوا من الله مثل ثواب كل مؤمن شهد لله بالتوحيد ولأنبيائه بالنبوة .
القول الرابع : إن قوله { فاكتبنا مع الشاهدين } إشارة إلى أن كتاب الأبرار إنما يكون في السماوات مع الملائكة قال الله تعالى : { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين } [ المطففين : 18 ] فإذا كتب الله ذكرهم مع الشاهدين المؤمنين كان ذكرهم مشهورا في الملأ الأعلى وعند الملائكة المقربين .
القول الخامس : إنه تعالى قال : { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم } [ آل عمران : 18 ] فجعل أولو العلم من الشاهدين ، وقرن ذكرهم بذكر نفسه ، وذلك درجة عظيمة ، ومرتبة عالية ، فقالوا { فاكتبنا مع الشاهدين } أي اجعلنا من تلك الفرقة الذين قرنت ذكرهم بذكرك .
والقول السادس : أن جبريل عليه السلام لما سأل محمدا صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال : « أن تعبد الله كأنك تراه » وهذا غاية درجة العبد في الاشتغال بالعبودية ، وهو أن يكون العبد في مقام الشهود ، لا في مقام الغيبة ، فهؤلاء القوم لما صاروا كاملين في درجة الاستدلال أرادوا الترقي من مقام الاستدلال ، إلى مقام الشهود والمكاشفة ، فقالوا { فاكتبنا مع الشاهدين } .
القول السابع : إن كل من كان في مقام شهود الحق لم يبال بما يصل إليه من المشاق والآلام ، فلما قبلوا من عيسى عليه السلام أن يكونوا ناصرين له ، ذابين عنه ، قالوا { فاكتبنا مع الشاهدين } أي اجعلنا ممن يكون في شهود جلالك ، حتى نصير مستحقرين لكل ما يصل إلينا من المشاق والمتاعب فحينئذ يسهل علينا الوفاء بما التزمناه من نصرة رسولك ونبيك .
ثم اتجهوا إلى ربهم يتصلون مباشرة به في هذا الأمر الذي يقومون عليه :
( ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول ، فاكتبنا مع الشاهدين ) .
وفي هذا التوجه لعقد البيعة مع الله مباشرة لفتة ذات قيمة . . إن عهد المؤمن هو ابتداء مع ربه ، ومتى قام الرسول بإبلاغه فقد انتهت مهمة الرسول من ناحية الاعتقاد ؛ وانعقدت البيعة مع الله ، فهي باقية في عنق المؤمن بعد الرسول . . وفيه كذلك تعهد لله باتباع الرسول . فليس الأمر مجرد عقيدة في الضمير ؛ ولكنة اتباع لمنهج ، والاقتداء فيه بالرسول . وهو المعنى الذي يركز عليه سياق هذه السورة - كما رأينا - ويكرره بشتى الأساليب .
ثم عبارة أخرى تلفت النظر في قول الحواريين : ( فاكتبنا مع الشاهدين ) . .
إن المسلم المؤمن بدين الله مطلوب منه أن يؤدي شهادة لهذا الدين . شهادة تؤيد حق هذا الدين في البقاء ؛ وتؤيد الخير الذي يحمله هذا الدين للبشر . . وهو لا يؤدي هذه الشهادة حتى يجعل من نفسه ومن خلقه ومن سلوكه ومن حياته صورة حية لهذا الدين . صورة يراها الناس فيرون فيها مثلا رفيعا ، يشهد لهذا الدين بالأحقية في الوجود ، وبالخيرية والأفضلية على سائر ما في الأرض من أنظمة وأوضاع وتشكيلات .
وهو لا يؤدي هذه الشهادة كذلك حتى يجعل من هذا الدين قاعدة حياته ، ونظام مجتمعه ، وشريعة نفسه وقومه . فيقوم مجتمع من حوله ، تدبر أموره وفق هذا المنهج الإلهي القويم . . وجهاده لقيام هذا المجتمع ، وتحقيق هذا المنهج ؛ وإيثاره الموت في سبيله على الحياة في ظل مجتمع آخر لا يحقق منهج الله في حياة الجماعة البشرية . . هو شهادته بأن هذا الدين خير من الحياة ذاتها وهي أعز ما يحرص عليه الأحياء ! ومن ثم يدع ( شهيدا ) . .
فهؤلاء الحواريون يدعون الله أن يكتبهم مع الشاهدين لدينه . . أي أن يوفقهم ويعينهم في أن يجعلوا من أنفسهم صورة حية لهذا الدين ؛ وأن يبعثهم للجهاد في سبيل تحقيق منهجه في الحياة ، وإقامة مجتمع يتمثل فيه هذا المنهج . ولو أدوا ثمن ذلك حياتهم ليكونوا من( الشهداء )على حق هذا الدين .
وهو دعاء جدير بأن يتأمله كل من يدعي لنفسه الإسلام . . فهذا هو الإسلام ، كما فهمه الحواريون . وكما هو في ضمير المسلمين الحقيقيين ! ومن لم يؤد هذه الشهادة لدينه فكتمها فهو آثم قلبه . فأما إذا ادعى الإسلام ثم سار في نفسه غير سيرة الإسلام ؛ أو حاولها في نفسه ، ولكنه لم يؤدها في المجال العام ، ولم يجاهد لإقامة منهج الله في الحياة إيثارا للعافية ، وإيثارا لحياته على حياة الدين ، فقد قصر في شهادته أو أدى شهادة ضد هذا الدين . شهادة تصد الآخرين عنه . وهم يرون أهله يشهدون عليه لا له ! وويل لمن يصد الناس عن دين الله عن طريق ادعائه أنه مؤمن بهذا الدين ، وما هو من المؤمنين !
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.