مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱمۡتَٰزُواْ ٱلۡيَوۡمَ أَيُّهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ} (59)

قوله تعالى : { وامتازوا اليوم أيها المجرمون } وفيه وجوه منها تبيين وجه الترتيب أيضا الأول : امتازوا في أنفسكم وتفرقوا كما قال تعالى : { تكاد تميز من الغيظ } أي بعضه من بعض غير أن تميزهم من الحسرة والندامة ووجه الترتيب حينئذ أن المجرم يرى منزلة المؤمن ورفعته ونزول دركته وضعته فيتحسر فيقال لهم امتازوا اليوم إذ لا دواء لألمكم ولا شفاء لسقمكم الثاني : امتازوا عن المؤمنين وذلك لأنهم يكونون مشاهدين لما يصل إلى المؤمن من الثواب والإكرام ثم يقال لهم تفرقوا وادخلوا مساكنكم من النار فلم يبق لكم اجتماع بهم أبدا الثالث : امتازوا بعضكم عن بعض على خلاف ما للمؤمن من الاجتماع بالإخوان الذي أشار إليه بقوله تعالى : { هم وأزواجهم } فأهل النار يكون لهم العذاب الأليم وعذاب الفرقة أيضا ولا عذاب فوق الفرقة ، بل العقلاء قالوا بأن كل عذاب فهو بسبب تفرق اتصال ، فإن من قطعت يده أو أحرق جسمه فإنما يتألم بسبب تفرق المتصلات بعضها عن بعض ، لكن التفرق الجسمي دون التفرق العقلي الرابع : امتازوا عن شفعائكم وقرنائكم فما لكم اليوم حميم ولا شفيع الخامس : امتازوا عما ترجون واعتزلوا عن كل خير ، والمجرم هو الذي يأتي بالجريمة ، ويحتمل أن يقال إن المراد منه أن الله تعالى يقول امتازوا فيظهر عليهم سيما يعرفون بها ، كما قال تعالى : { يعرف المجرمون بسيماهم } وحينئذ يكون قوله تعالى امتازوا أمر تكوين ، كما أنه يقول : كن فيكون كذلك يقول امتازوا فيتميزون بسيماهم ويظهر على جباههم أو في وجهوهم سواء .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱمۡتَٰزُواْ ٱلۡيَوۡمَ أَيُّهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ} (59)

30

فأما الآخرون فلا يطوي السياق موقف حسابهم ، بل يعرضه ويبرز فيه التبكيت والتنكيل :

وامتازوا اليوم أيها المجرمون . ألم أعهد إليكم - يا بني آ دم - ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين . وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم . ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً . أفلم تكونوا تعقلون ? هذه جهنم التي كنتم توعدون . اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون . .

إنهم يتلقون التحقير والترذيل : ( وامتازوا اليوم أيها المجرمون ) . . انعزلوا هكذا بعيداً عن المؤمنين !