مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَوۡ نَشَآءُ لَطَمَسۡنَا عَلَىٰٓ أَعۡيُنِهِمۡ فَٱسۡتَبَقُواْ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبۡصِرُونَ} (66)

قوله تعالى : { ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون ، ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون }

قد ذكرنا مرارا أن الصراط المستقيم هو بين الجبر والقدر وهو الطريقة الوسطى ، والله تعالى في كل موضع ذكر ما يتمسك به المجبرة ذكر عقيبه ما يتمسك به القدرية وبالعكس ، وههنا كذلك لما قال الله تعالى : { وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون } [ يس : 65 ] وقال : { اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون } [ يس : 64 ] وكان ذلك متمسك القدرية حيث أسند الله الكفر والكسب إليهم وأحال الخير والشر عليهم ، ذكر عقيبه ما يدل على أن كفرهم وكسبهم بمشيئة الله ، وذلك لأن الكفر يعمي البصيرة ويضعف القوة العقلية ، وعمى البصيرة بإرادة الله ومشيئته ، إذا شاء أعمى البصائر ، كما أنه لو شاء لطمس على أعينهم المبصرة ، وسلب القوة العقلية باختياره ومشيئته ، كما أن سلب القوة الجسمية بمشيئته ، حتى لو شاء لمسخ المكلف على مكانته وأقامه بحيث لا يتحرك يمنة ولا يسرة ، ولا يقدر على المضي والرجوع ، فإعماء البصائر عنده كإعماء الأبصار ، وسلب القوة العقلية كسلب القوة الجسمية ، فقال : { ولو نشاء لطمسنا على أعينهم } إشارة إلى أنه لو شاء وأراد إعماء بصائرهم فضلوا ، وأنه لو شاء طمس أعينهم لما اهتدوا إلى طريقتهم الظاهرة ، وشاء واختار سلب قوة عقولهم فزلوا ، وأنه لو شاء سلب قوة أجسامهم ومسخهم لما قدروا على تقدم ولا تأخر . وفي الآيتين أبحاث لفظية :

البحث الأول : في قوله : { فاستبقوا الصراط } قال الزمخشري فيه وجوه الأول : أنه يكون فيه حذف حرف إلى واتصال الفعل من غير حرف وأصله فاستبقوا إلى الصراط الثاني : أن يكون المراد من الاستباق الابتدار فأعمله أعمال الابتدار الثالث : أن يجعل الصراط مستبقا لا مستبقا إليه ، يقال استبقنا فسبقتهم وحينئذ يكون مبالغة في الاهتداء إلى الطريق ، كأنه يقول الصراط الذي هو معهم ليسوا طالبين له قاصدين إياه ، وإنما هم عليه إذا طمس الله على أعينهم لا يبصرونه ، فكيف إن لم يكونوا على الصراط .

67

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَوۡ نَشَآءُ لَطَمَسۡنَا عَلَىٰٓ أَعۡيُنِهِمۡ فَٱسۡتَبَقُواْ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبۡصِرُونَ} (66)

30

كذلك انتهى المشهد وألسنتهم معقودة وأيديهم تتكلم ، وأرجلهم تشهد ، على غير ما كانوا يعهدون من أمرهم وعلى غير ما كانوا ينتظرون . ولو شاء الله لفعل بهم غير ذلك ، ولأجرى عليهم من البلاء ما يريد . . ويعرض هنا نوعين من هذا البلاء لو شاء الله لأخذ بهما من يشاء :

( ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط ، فأنى يبصرون ؛ ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضياً ولا يرجعون ) . .

وهما مشهدان فيهما من البلاء قدر ما فيهما من السخرية والاستهزاء . السخرية بالمكذبين والاستهزاء بالمستهزئين ، الذين كانوا يقولون : ( متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ? ) . .

فهم في المشهد الأول عميان مطموسون . ثم هم مع هذا العمى يستبقون الصراط ويتزاحمون على العبور ، ويتخبطون تخبط العميان حين يتسابقون ! ويتساقطون تساقط العميان حين يسارعون متنافسين ! ( فأنى يبصرون )