{ وَمَا ينبغي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً } وقيل : علة لتكاد الخ ، واعترض بأن كون لِ { تَكَادُ } [ مريم : 90 ] الخ معللاً بذلك قد علم من { مِنْهُ } [ مريم : 90 ] فيلزم التكرار . وأجيب بما لا يخلو عن نظر . وقيل : علة لِ { هدَّا } [ مريم : 90 ] وهو علة للخرور ، وقيل ليس هناك لام مقدرة بل أن وما بعدها في تأويل مصدر مجرور بالإبدال من الهاء من منه كما في قوله :
على حالة لو أن في القوم حاتما *** على جوده لضن بالماء حاتم
بجر حاتم بالإبدال من الهاء في وجوده ، واستبعده أبو حيان للفصل بجملتين بين البدل والمبدل منه ، وقيل : المصدر مرفوع على أنه خبر محذوف أي الموجب لذلك دعاؤهم للرحمن ولداً وفيه بحث . وقيل : هو مرفوع على أنه فاعل هدا ويعتبر مصدراً مبنياً للفاعل أي هدها دعاؤهم للرحمن ولداً . وتعقبه أبو حيان بأن فيه بعداً لأن الظاهر كون هذا المصدر تأكيدياً والمصدر التأكيدي لا يعمل ولو فرض غير تأكيدي لم يعمل بقياس إلا إذا كان أمراً كضربا زيداً أو بعد استفهام كاضربا زيداً وما هنا ليس أحد الأمرين وما جاء عاملاً وليس أحدهما كقوله :
وقوفاً بها صحبي على مطيهم *** نادر . والتزام كون ما هنا من النادر لا يدفع البعد . ولعل ما ذكرناه أدق الأوجه وأولاها فتدبر والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل . و { دَّعَوَا } عند الأكثرين بمعنى سموا . والدعاء بمعنى التسمية يتعدى لمفعولين بنفسه كما في قوله :
دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن *** أخاها ولم أرضع لها بلبان
وقد يتعدى للثاني بالباء فيقال دعوت ولدي بزيد واقتصر هنا على الثاني وحذف الأول دلالة على العموم والإحاطة لكل ما دعى له عز وجل ولداً من عيسى . وعزير عليهما السلام . وغيرهما . وجوز أن يكون من دعا بمعنى نسب الذي مطاوعه ما في قوله صلى الله عليه وسلم : «من ادعى إلى غير مواليه » وقول الشاعر :
أنا بني نهشل لا ندعى لاب *** عنه ولا هو بالابناء يشرينا
فيتعدى لواحد ، والجار والمجرور جوز أن يكون متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من { وَلَدًا } وأن يكون متعلقاً بما عنده ، وجملة { مَا يَنبَغِي } حال من فاعل { دَّعَوَا } ، وقيل : من فاعل { قَالُواْ } [ مريم : 88 ] ، { وينبغي } مضارع انبغى مطاوع بغي بمعنى طلب وقد سمع ماضيه فهو فعل متصرف في الجملة ، وعده ابن مالك في التسهيل من الأفعال التي لا تتصرف وغلطه في ذلك أبو حيان ، ويمكن أن يقال : مراده أنه لا يتصرف تاماً ، { وَأَنْ يَتَّخِذِ } في تأويل مصدر فاعله ، والمراد لا يليق به سبحانه اتخاذ الولد ولا يتطلب له عز وجل لاستحالة ذلك في نفسه لاقتضائه الجزئية أو المجانسة واستحالة كل ظاهرة ، ووضع الرحمن موضع الضمير للإشعار بعلة الحكم بالتنبيه على أن كل ما سواه تعالى إما نعمة أو منعم عليه وأين ذلك ممن هو مبدأ النعم وموالي أصولها وفروعها .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وما يصلح لله أن يتخذ ولدا، لأنه ليس كالخلق الذين تغلبهم الشهوات، وتضطرهم اللذّات إلى جماع الإناث، ولا ولد يحدث إلا من أنثى، والله يتعالى عن أن يكون كخلقه...
الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :
ثم نفى سبحانه عن نفسه الولد فقال {وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} يعني انه لا يفعل ذلك ولا يحتاج إليه ولا يوصف به.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
وقوله {وما ينبغي} نفي على جهة التنزيه له عن ذلك.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
وقوله: {وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا} أي: لا يصلح له، ولا يليق به لجلاله وعظمته؛ لأنه لا كفء له من خلقه؛ لأن جميع الخلائق عبيد له؛
ولهذا قال: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا}.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{وما ينبغي} أي ما يصح ولا يتصور {للرحمن أن يتخذ ولداً} لأنه غير محتاج إلى الولد بوجه، ومع ذلك فهو محال، لأن الولد لا يكون إلا مجانساً للوالد، ولا شيء من النعم بمجانس للمنعم المطلق الموجد لكل ما سواه، فمن دعا له ولداً قد جعله كبعض خلقه، وأخرجه عن استحقاق هذا الاسم.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
جملة {وما ينبغي للرحمان أن يتّخذ ولداً} عطف على جملة: {وقالوا اتخذ الرحمان ولداً}.
ومعنى {ما ينبغي} ما يتأتّى، أو ما يجوز. وأصل الانبغاء: أنّه مطاوع فعل بغى الذي بمعنى طلَب. ومعنى، مطاوعِته: التأثّر بما طُلب منه، أي استجابةُ الطلب.
نقل الطيبي عن الزمخشري أنه قال في « كتاب سيبويه»: « كل فعل فيه علاج يأتي مطاوعُه على الانفعال كصَرف وطلب وعلم، وما ليس فيه علاج كعَدم وفقد لا يتأتى في مطاوعه الانفعال البتة» اهـ. فبان أن أصل معنى {ينبغي} يستجيب الطلب. ولما كان الطلب مختلف المعاني باختلاف المطلوب لزم أن يكون معنى {ينبغي} مختلفاً بحسب المقام فيستعمل بمعنى: يتأتى، ويمكن، ويستقيم، ويليق، وأكثر تلك الإطلاقات أصله من قبيل الكناية واشتهرت فقامت مقام التصريح.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
إِنّ هؤلاء في الحقيقة لم يعرفوا الله قط، لأنّه: (وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً) فإنّ الإِنسان يطلب الولد لواحد من عدّة أشياء: إِمّا لأنّ عمره ينتهي فيحتاج لولد مثله يحمل صفاته ليبقى نسله وذكره. أو لأنّه يطلب الصديق والرفيق لأنّ قوته محدودة. أو لأنّه يستوحش من الوحدة، فيبحث عن مؤنس لوحدته. أو لأنّه يحتاج عند كبره وعجزه إلى مساعد ومعين شاب. لكن أيّاً من هذه المعاني لا ينطبق على الله سبحانه، ولا يصح، فلا قدرته محدودة، ولا حياته تنتهي، ولا يعتريه الضعف والوهن، ولا يحس بالوحدة والحاجة، إِضافة إلى أن امتلاك الولد دليل على الجسمية، ووجود الزوجة، وكل هذه المعاني بعيدة عن ذاته المقدسة...
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.