{ تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ } في موضع الفة لِ { إدَّا } [ مريم : 89 ] أو استئناف لبيان عظم شأنه في الشدة والهول ، والتفطر على ما ذكره الكثي التشقق مطلقاً ، وعلى ما يدل عليه كلام الراغب التشقق طولاً حيث فسر الفطر وهو منه بالشق كذلك ، وموارد الاستعمال تقتضي عدم التقييد بما ذكر . نعم قيل : إنها تقتضي أن يكون الفطر من عوارض الجسم الصلب فإنه يقال : إنا مفطور ولا يقال : ثوب مفطور بل مشقوق ، وهو عندي في أعراف الرد والقبول وعليه يكون في نسبة التفطر إلى السموات والانشقاق إلى الأرض في قوله تعالى : { وَتَنشَقُّ الأرض } إشارة إلى أن السماء أصلب من الأرض ، والتكثير الذي تدل عليه صيغة التفعل قيل في الفعل لأنه الأوفق بالمقام ، وقيل : في متعلقه ورجح بأنه قد قرأ أبو عمرو . وابن عامر . وحمزة وأبو بكر عن عاصم . ويعقوب . وأبو بحرية . والزهري . وطلحة . وحميد . واليزيدي . وأبو عبيد { ينفطرن } مضارع انفطر وتوافق القراءتين يقتضي ذلك ، وبأنه قد اختير الانفعال في تنشق الأرض حيث لا كثرة في المفعول ولذا أول { مِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ } [ الطلاق : 12 ] بالأقاليم ونحوه كما سيأتي إن شاء الله تعالى . ووجهه بعضهم اختلاف الصيغة على القول بأن التكثير في الفعل بأن السموات لكونها مقدسة لم يعص الله تعالى فيها أصلاً نوعاً ما من العصيان لم يكن لها ألف ما بالمعصية ولا كذلك الأرض فهي تتأثر من عظم المعصية ما لا تتأثر الأرض .
وقرأ ابن مسعود { يتصدعن } قال في «البحر » : وينبغي أن يجعل ذلك تفسيراً لا قراءة لمخالفته سواد المصحف المجمع عليه ولرواية الثقات عنه أنه قرأ كالجمهور انتهى . ولا يخفى عليك أن في ذلك كيفما كان تأييداً لمن ادعى أن الفطر من عوارض الجسم الصلب بناء على ما في «القاموس » من أن الصدع شق في شيء صلب .
وقرأ نافع . والكسائي . وأبوحيوة . والأعمش { بالكافرين يَكَادُ } بالياء من تحت { وَتَخِرُّ الجبال } تسقط وتنهد { هَدّاً } نصب على أنه مفعول مطلق لتخر لأنه بمعنى تنهد كما أشرنا إلينا وإليه ذهب ابن النحاس . وجوز أن يكون مفعولاً لا مطلقاً لتنهد مقدراً . والجملة في موضع الحال ، وقيل : هو مصدر بمعنى المفعول منصوب على الحال من هد المعتدى أي مهدودة . وجوز أن يكون مفعولاً له أي لأنها تنهد على أنه م هد اللازم بمعنى انهدم ومجيئه لازماً مما صرح به أبو حيان وهو إمام اللغة . والنحو فلا عبرة ممن أنكره ، وحينئذ يكون الهد من فعل الجبال فيتحد فاعل المصدر والفعل المعلل به ، وقيل : إنه ليس من فعلها لكنها إذا هدها أحد يحصل لها الهد فصح أن يكون مفعولاً له ، وفي الكلام تقرير لكون ذلك إداً والكيدودة فيه على ظاهرها من مقاربة الشيء .
وفسرها الأخفش هنا . وفي قوله تعالى : { أَكَادُ أُخْفِيهَا } [ طه : 15 ] بالإرادة وأنشد شاهداً على ذلك قول الشاعر :
كادت وكدت وتلك خير إرادة *** لو عاد من زمن الصبابة ما مضى
ولا حجة له فيه ، والمعنى إن هول تلك الكلمة الشنعاء وعظمها بحيث لو تصور بصورة محسوسة لم تتحملها هذه الأجرام العظام وتفرقت أجزاؤها من شدتها أو أن حق تلك الكلمة لو فهمتها تلك الجمادات العظام أن تتفطر وتنشق وتخر من فظاعتها ، وقيل : المعنى كادت القيامة أن تقوم فإن هذه الأشياء تكون حقيقة يوم القيامة ، وقيل : الكلام كناية عن غضب الله تعالى على قائل تلك الكلمة وأنه لولا حلمه سبحانه وتعالى لوقع ذلك وهلك القائل وغيره أي كدت أفعل ذلك غضباً لولا حلمي .
وأخرج ابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : إن الشكر فزعت منه السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين وكدن أن يزلن منه تعظيماً لله تعالى وفيه إثبات فهم لتلك الأجرام والأجسام لائق بهن . وقد تقدم ما يتعلق بذلك . وفي «الدر المنثور » في الكلام على هذه الآية ، أخرج أحمد في الزهد . وابن المبارك . وسعيد بن منصور . وابن أبي شيبة . وأبو الشيخ في العظمة وابن أبي حاتم . والطبراني . والبيهقي في شعب الإيمان من طريق عون عن ابن مسعود قال : إن الجبل لينادي الجبل باسمه يا فلان هل مر بك اليوم أحد ذاكر لله تعالى فإذا قال : نعم استبشر قال عون : أفلا يسمعن الزور إذا قيل ولا يسمعن الخير هن للخير أسمع وقرأ { وَقَالُواْ } [ مريم : 88 ] الآيات اه وهو ظاهر في الفهم .
وقال ابن المنير : يظهر لي في الآية معنى لم أره لغيري وذلك أن الله سبحانه وتعالى قد استعار لدلالة هذه الأجرام على وجوده عز وجل موصوفاً بصفات الكمال الواجبة له سبحانه أن جعلها مسبحة بحمده قال تعالى : { تُسَبّحُ لَهُ السموات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مّن شيء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } [ الإسراء : 44 ] ومما دلت عليه السموات والأرض والجبال بل وكل ذرة من ذراتها أن الله تعالى مقدس عن نسبة الولد إليه :
فالمعتقد نسبة الولد إليه عز وجل قد عطل دلالة هذه الموجودات على تنزيه الله تعالى وتقديسه فاستعير لإبطال ما فيها من روح الدلالة التي خلقت لأجلها إبطال صورها بالهد والانفطار والانشقاق اه .
/ واعترض عليه بأن الموجودات إنما تدل على خالق قادر عالم حكيم لدلالة الأثر على المؤثر والقدرة على المقدور وإتقان العمل يدل على العمل والحكمة وأما دلالتها على الوحدانية فلا وجه له ولا يثبت مثله بالشعر . ورد بأنها لو لم تدل جاء حديث التمانع كما حققه المولى الخيالي في «حواشيه » على شرح عقائد النسفي للعلامة الثاني
وقال بعضهم : إنها تدل على عظم شأنه تعالى وأنه لا يشابهه ولا يدانيه شيء فلزم أن لا يكون له شريك ولا ولد لأنه لو كان كذلك لكان نظيراً عز وجل . ولذا عبر عن هذه الدلالة بالتسبيح والتنزيه .
ولعل ما أشرنا إليه أولى وأدق ، وليس مراد من نسب الولد إليه عز وجل إلا الشرك فتأمل ، والجمهور على أن الكلام لبيان بشاعة تلك الكلمة على معنى أنها لو فهمتها الجمادات لاستعظمتها وتفتت من بشاعتها . ونحو هذا مهيع للعرب ، قال الشاعر :
لما أتى خبر الزبير تواضعت *** سور المدين والجبال الخشع
فاصبح بطن مكة مقشعرا *** كان الأرض ليس بها هشام
ألم تر صدعاً في السماء مبينا *** على ابن لبيني الحرث بن هشام
إلى غير ذلك وهو نوع من المبالغة ويقبل إذا اقترن بنحو كاد كما في الآية الكريمة ، وقد بين ذلك في محله .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
"تَكَادُ السّمَوَاتُ يَتَفَطّرْنَ مِنْهُ" يقول تعالى ذكره: تكاد السموات يتشّقْقن قطعا من قيلهم "اتّخَذَ الرّحْمَنُ وَلَدا"، ومنه قيل: فَطَر نابُه: إذا انشقّ...
عن ابن عباس، قوله: "تَكَادُ السّمَوَاتُ يَتَفَطّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقّ الأرْضُ وتَخِرّ الجِبالُ هَدّا أنْ دَعُوْا للرّحْمَنِ وَلَدا" قال: إن الشرك فزعت منه السموات والأرض والجبال، وجميع الخلائق إلا الثقلين، وكادت أن تزول منه لعظمة الله، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحّدين.
"وَتَنْشَقّ الأرْضُ" يقول: وتكاد الأرض تنشقّ، فتنصدع من ذلك. "وتَخِرّ الجبالُ هَدّا" يقول: وتكاد الجبال يسقط بعضها على بعض سقوطا. والهدّ: السقوط...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
قال بعضهم: مثل هذا إنما يقال على المبالغة في العظيم من الأمور والنهاية من الضيق والشدة على التمثيل. يقول الرجل لآخر: أظلمت الدنيا عليه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، ونحوه على المبالغة في الضيق والشدة...
فعلى ذلك هذا؛ ذكر على المبالغة والنهاية في العظيم من القول الذي قالوا في الله سبحانه، ثم جعل مثل ما قالوا في العظيم في الله بما يعظم من المحسوسات في العقول. وهو ما ذكر من انفطار السماوات وانشقاق الأرض وَهَدِّ الجبال، وهن أصلب الأشياء وأشدها ليعرفوا عظم ما قالوا فيه. وهكذا تعرف الأمور الغائبة التي سبيل معرفتها الاستدلال بالمحسوسات من الأشياء والمشاهدات منها...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
وقال أبو الحسن:معنى تكاد السموات:تريد، كقوله "كدنا ليوسف "أي أردنا... ومثله قوله تعالى "أكاد أخفيها" أي أريد. ومعنى "تكاد" في الآية تقرب لأن السموات لا يجوز أن ينفطرن ولا يردن لذلك، ولكن هممن بذلك، وقربن منه إعظاما لقول المشركين. وقال قوم: معناه على وجه المثل، لأن العرب تقول إذا أرادت أمرا عظيما منكرا: كادت السماء تنشق والأرض تنخسف، وأن يقع السقف...
وقال قوم: المعنى لو كان شيء يتفطر استعظاما لما يجري من الباطل لتفطرت السموات والأرض استعظاما، واستنكارا لما يضيفونه إلى الله تعالى من اتخاذ الولد، ومثله قوله "ولو أن قرآنا سيرت به الجبال". ومعنى يتفطرن: يتشققن، والانفطار: الانشقاق في قول ابن جريج،... وقرئ ينفطرن بمعنى يتشققن منه، يعني من قولهم اتخذ الرحمن ولدا، والمراد بذلك تعظيما واستنكارا لهذا القول، وأنه لو كانت السموات يتفطرن تعظيما لقول باطل لانشقت لهذا القول، ولو كانت الجبال تخر لأمر، لخرت لهذا القول. و (الهد) تهدم بشدة صوت.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
فإن قلت: ما معنى انفطار السموات وانشقاق الأرض وخرور الجبال؟ ومن أين تؤثر هذه الكلمة في الجمادات؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن الله سبحانه يقول: كدت أفعل هذا بالسموات والأرض والجبال عند وجود هذه الكلمة غضباً مني على من تفوّه بها، لولا حلمي ووقاري، وأني لا أعجل بالعقوبة كما قال: {إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} [فاطر: 41].
والثاني: أن يكون استعظاماً للكلمة، وتهويلاً من فظاعتها، وتصويراً لأثرها في الدين وهدمها لأركانه وقواعده، وأن مثال ذلك الأثر في المحسوسات: أن يصيب هذه الأجرام العظيمة التي هي قوام العالم ما تنفطر منه وتنشق وتخرّ. وفي قوله {لَقَدْ جِئْتُمْ} وما فيه من المخاطبة بعد الغيبة، وهو الذي يسمى الالتفات في علم البلاغة زيادة تسجيل عليهم بالجرأة على الله، والتعرّض لسخطه، وتنبيه على عظم ما قالوا...
... فإن قيل من أين يؤثر القول بإثبات الولد لله تعالى في انفطار السماوات وانشقاق الأرض وخرور الجبال؟ قلنا فيه وجوه:
وثالثها: أن السماوات والأرض والجبال تكاد أن تفعل ذلك لو كانت تعقل من غلظ هذا القول وهذا تأويل أبي مسلم.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ثم بين ثقله بقوله: {تكاد السماوات} على إحكامها، مع بعدها من أصحاب هذا القول {يتفطرن} أي يأخذن في الانشقاق {منه} أي من هذا الشيء الإدّ {وتنشق الأرض} على تحتها شقاً نافذاً واسعاً {وتخر} أي تسقط سريعاً {الجبال} على صلابتها {هداً} كما ينفسخ السقف تحت ما لا يحتمله من الجسم الثقيل.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ثم يهتز كل ساكن من حولهم ويرتج كل مستقر، ويغضب الكون كله لبارئه. وهو يحس بتلك الكلمة تصدم كيانه وفطرته؛ وتجافي ما وقر في ضميره وما استقر في كيانه؛ وتهز القاعدة التي قام عليها واطمأن إليها: (تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا)...