روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{كَلَّاۚ سَيَكۡفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمۡ وَيَكُونُونَ عَلَيۡهِمۡ ضِدًّا} (82)

{ كَلاَّ } ردع لهم وزجر عن ذلك ، وفيه إنكار لوقوع ما علقوا به أطماعهم الفارغة { سَيَكْفُرُونَ بعبادتهم } أي ستجحد الآلهة عبادة أولئك الكفرة إياها وينطق الله تعالى من لم يكن ناطقاً منها فتقول جميعاً ما عبدتمونا كما قال سبحانه : { وَإِذَا رَءا الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلآء شُرَكَآؤُنَا الذين كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لكاذبون } [ النحل : 86 ] أو ستنكر الكفرة حين يشاهدون عاقبة سوء كفرهم عبادتهم إياها كما قال سبحانه : { لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } [ الأنعام : 23 ] .

ومعنى قوله تعالى : { وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } على الأول على ما قيل تكون الآلهة التي كانوا يرجون أن تكون لهم عزاً ضداً للعز أي ذلاً وهواناً أو أعواناً عليهم كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو أظهر من التفسير السابق ، وكونهم أعواناً عليهم لأنهم يلعنونهم ، وقيل : لأن عبادتهم كانت سبباً للعذاب .

وتعقب بأن هذا لم يحدث يوم القيامة وظاهر الآية الحدوث ذلك اليوم والأمر فيه هين ، وقيل : لأنهم يكونون آلة لعذابهم حيث يجعلون وقود النار وحصب جهنم وهذا لا يتسنى إلا على تقدير أن يراد بالآلهة الأصنام ، وإطلاق الضد على العون لما أن عون الرجل يضاد عدوه وينافيه بإعانته له عليه ، وعلى الثاني يكون الكفرة على الآلهة أي أعداء لها من قولهم : الناس عليكم أي أعداؤكم ، ومنه اللهم كن لنا ولا تكن علينا ضداً أي منافين ما كانوا عليه كافرين بها بعدما كانوا يعبدونها فعليهم على ما قيل خبر يكون ، { وضداً } حال مؤكدة والعداوة مرادة مما قبله ، وقيل : إنها مرادة منه وهو الخبر و { سَوَاء عَلَيْهِمْ } في موضع الحال ، وقد فسره بأعداء الضحاك وهو على ما نقل عن الأخفش كالعدو يستعمل مفرداً وجمعاً .

وبذلك قال صاحب القاموس وجعل ما هنا جمعاً ، وأنكر بعضهم كونه مما يطلق على الواحد والجمع ، وقال : هو للواحد فقط وإنما وحد هنا لوحدة المعنى الذي يدور عليه مضادتهم فإنهم بذلك كالشيء الواحد كما في قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه النسائي وهم يد على من سواهم ، وقال صاحب الفرائد : إنما وحد لأنه ذكر في مقابلة قوله تعالى : { عِزّاً } [ مريم : 81 ] وهو مصدر يصلح لأن يكون جمعاً فهذا وإن لم يكن مصدراً لكن يصلح لأن يكون جمعاً نظراً إلى ما يراد منه وهو الذل ، وهذا إذا تم فإنما يتم على المعنى الأول ، وقد صرح في «البحر » أنه على ذلك مصدر يوصف به الجمع كما يوصف به الواحد فليراجع . وقرأ أبو نهيك هنا وفيما تقدم { كَلاَّ } بفتح الكاف والتنوين فقيل إنها الحرف الذي للردع إلا أنه نوى الوقف عليها فصار ألفها كألف الإطلاق ثم أبدلت تنويناً ، ويجوز أن لا يكون نوى الوقف بل أجريت الألف مجرى ألف الإطلاق لما أن ألف المبنى لم يكن لها أصل ولم يجز أن تقع روياً ويسمى هذا تنوين الغالي وهو يلحق الحروف وغيرها ويجامع الألف واللام كقولك :

أقلي اللوم عاذل والعتابن *** وقولي إن أصبت لقد أصابن

وليس هذا مثل { قَوَارِيرا } [ الإنسان : 15 ] كما لا يخفى خلافاً لمن زعمه . وفي محتسب ابن جني أن { كَلاَّ } مصدر من كل السيف إذا نبا وهو منصوب بفعل مضمر من لفظه ، والتقدير هنا كل هذا الرأي والاعتقاد كلا ، والمراد ضعف ضعفاً ، وقيل : هو مفعول به بتقدير حملوا { كَلاَّ } ويقال نظير ذلك فيما تقدم ، وقال ابن عطية : هو نعت لآلهة ، والمراد به الثقيل الذي لا خير فيه والإفراد لأنه بزنة المصدر وهو كما ترى ، والأوفق بالمعنى ما تقدم وإن قيل فيه تعسف لفظي وإنه يلزم عليه إثبات التنوين خطا كما في أمثال ذلك .

وحكى أبو عمرو الداني عن أبي نهيك أنه قرأ { كَلاَّ } بضم الكاف والتنوين وهي على هذا منصوبة بفعل محذوف دل عليه { سَيَكْفُرُونَ } على أنه من باب الاشتغال نحو زيداً مررت به أي يجحدون كلا أي عبادة كل من الآلهة ففيه مضاف مقدر وقد لا يقدر . وذكر الطبري عنه أنه قرأ { كُلٌّ } بضم الكاف والرفع وهو على هذا مبتدأ . والجملة بعده خبره .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{كَلَّاۚ سَيَكۡفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمۡ وَيَكُونُونَ عَلَيۡهِمۡ ضِدًّا} (82)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

"كَلاّ" يقول عزّ ذكره: ليس الأمر كما ظنوا وأمّلُوا من هذه الآلهة التي يعبدونها من دون الله، في أنها تنقذهم من عذاب الله، وتنجيهم منه، ومن سوء إن أراده بهم ربّهم.

وقوله: "سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ" يقول عزّ ذكره: ولكن سيكفر الآلهة في الآخرة بعبادة هؤلاء المشركين يوم القيامة إياها، وكفرهم بها قيلهم لربهم: تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون، فجحدوا أن يكونوا عبدوهم أو أمروهم بذلك، وتبرّأوا منهم، وذلك كفرهم بعبادتهم.

وأما قوله: "وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّا" فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: وتكون آلهتهم عليهم عونا، وقالوا: الضدّ: العون...

وقال آخرون: بل عنى بالضدّ في هذا الموضع: القُرَناء...

وقال آخرون: معنى الضدّ ههنا: العدوّ...

وقال آخرون: معنى الضدّ في هذا الموضع: البلاء... الضدّ: البلاء.

والضدّ في كلام العرب: هو الخلاف، يقال: فلان يضادّ فلانا في كذا، إذا كان يخالفه في صنيعه، فيفسد ما أصلحه، ويصلح ما أفسده، وإذ كان ذلك معناه، وكانت آلهة هؤلاء المشركين الذين ذكرهم الله في هذا الموضع يتبرّؤون منهم، وينتفعون يومئذٍ، صاروا لهم أضدادا، فوصفوا بذلك...

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 81].

{واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا} فإن كان على حقيقة العز فهو في القادة منهم والمتبوعين الذين عبدوا تلك الأصنام ليتعززوا بذلك، ولا يذلوا، وتدوم لهم الرئاسة التي كانت لهم في الدنيا. فظنوا أنهم إن آمنوا تذهب تلك الرئاسة والمأكلة عنهم. ويحتمل قوله: {ليكونوا لهم عزا} أي نصرا ومنعة. فإن كان هذا فهو في الرؤساء منهم والأتباع في الدنيا والآخرة. أما ما طمعوا بعبادتهم الأصنام فهو النصر في الآخرة، وهو كقولهم: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: 3] وقولهم: {هؤلاء شفعاؤنا عند الله} [يونس: 18] طمعوا بعبادتهم الأصنام النصر والشفاعة في الآخرة. وأما في الدنيا فقد ظنوا أن آلهتهم التي اتخذوها، وعبدوها، تنصرهم في الدنيا حين قالوا: {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} [هود: 54].

فكيف ما كان فقد رد الله تعالى عليهم ما طمعوا: عزا كان أو نصرا. يقول: {كلا} لأنهم أذلوا أنفسهم لخشب وحنوا ظهورهم لها، فكفى بذلك ذلا وصغارا. وقوله تعالى: {سيكفرون بعبادتهم} قال الحسن: سيكفر عباد الأصنام في الدنيا، ومن عبدوها في الآخرة أنهم ما كفروا وما عبدوها كقوله: {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23]. ينكرون في الآخرة أن يكونوا أشركوا فيه غيره، أو عبدوا دونه. وقال غيره من أهل التأويل: سيكفر المعبودون بالعابدين، ويتبرؤون منهم، وهو كقوله: {وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون} [يونس: 28] وقوله: {فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون} [النحل: 86] ونحوه. وقوله تعالى: {ويكونوا عليهم ضدا} قال بعضهم: {ضدا} أي عونا. وتأويل العون هو أن تُلقى الأصنام معهم في النار، فيحرقون فيها معهم، فيزداد لهم عذابا، فكانت عونا على إحراقهم، فعلى هذا يخرج. وقول من يقول: الضد البلاء هو أن يكونوا بلاء عليهم على ما ذكرنا، وهو ما قال: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} الآية [الأنبياء: 98] فإذا صاروا حصبا كانوا بلاء وعونا على إحراقهم. وقال بعضهم: {ويكونون عليهم ضدا} أي قرناء النار؛ يخاصم بعضهم بعضا، ويتبرأ بعضهم من بعض، ويكذب بعضهم بعضا، فذلك كله {ويكونون عليهم ضدا} ما طمعوا منها لأنهم عبدوها في الدنيا رجاء أن يكونوا لهم شفعاء في الآخرة ونصراء، فكانوا لهم على ضد ذلك أعداء. قال ابن عباس: {ويكونون عليهم ضدا} أي حسرة، وكله واحد...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{كَلاَّ} ردع لهم وإنكار لتعززهم بالآلهة... {سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ} أي سيجحدون كلا سيكفرون بعبادتهم... {سَيَكْفُرُونَ} للآلهة، أي: سيجحدون عبادتهم وينكرونها ويقولون: والله ما عبدتمونا وأنتم كاذبون. قال الله تعالى: {وَإِذَا رَءا الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هؤُلآءِ شُرَكَآؤُنَا الذين كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لكاذبون} [النحل: 86] أو للمشركين: أي ينكرون لسوء العاقبة أن يكونوا قد عبدوها. قال الله تعالى: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23].

{عَلَيْهِمْ ضِدّاً} في مقابلة {لَهُمْ عِزّاً} والمراد ضدّ العز وهو الذل والهوان، أي: يكونون عليهم ضداً لما قصدوه وأرادوه، كأنه قيل: ويكونون عليهم ذلاً، لا لهم عزاً أو يكونون عليهم عوناً، والضدّ: العون. يقال من أضدادكم: أي أعوانكم وكأن العون سمي ضداً لأنه يضادّ عدوّك وينافيه بإعانته لك عليه...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما بين أنه لا يعزه مال ولا ولد، وكان نفع الأوثان دون ذلك بلا شك، نفاه بقوله: {كلاًّ} بأداة الردع، لأن ذلك طلب للعز من معدن الذل من العبيد الذين من اعتز لهم ذل، فإنهم مجبولون على الحاجة، ومن طلب العز للدنيا طلبه من العبيد لا محالة، فاضطر قطعاً -لبنائهم على النقص- إلى ترك الحق واتباع الباطل، فكانت عاقبة أمره الذل وإن طال المدى، فإن الله تعالى ربما أمهل المخذول إلى أن ينتهي في خذلانه إلى أن يستحق لباس الذل؛ ثم بين سبحانه ذلك بما يكون منهم يوم البعث فقال: {سيكفرون} أي الآلهة بوعد لا خلف فيه وإن طال الزمان {بعبادتهم} أي المشركين، فيقولون لهم

{ما كنتم إياناً تعبدون} [يونس: 28]

{إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا} [البقرة: 166] {ويكونون عليهم} أي الكفار؛ ووحد إشارة إلى اتفاق الكلمة بحيث إنهم لفرط تضامنهم كشيء واحد فقال: {ضداً} أي أعداء فيكسبونهم الذل، وكذا يفعل الكفار مع شركائهم ويقولون {والله ربنا ما كنا مشركين} فيقع بينهم العداوة كما قال تعالى

{ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً} [العنكبوت: 25].

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

الضميران في قوله: {سيكفرون ويَكونون يجوز أن يَكونا عائدين إلى آلهة، أي سينكر الآلهةُ عبادةَ المشركين إيّاهم، فعبر عن الجحود والإنكار بالكفر، وستكون الآلهة ذُلاّ ضد العزّ.

والأظهر أن ضمير {سيكفرون} عائد إلى المشركين، أي سيكفر المشركون بعبادة الآلهة فيكون مقابل قوله {واتخذوا من دون الله آلهة}. وفيه تمام المقابلة، أي بَعد أن تكلفوا جعلهم آلهةً لهم سيكفرون بعبادتهم، فالتعبير بفعل {سيكفرون} يرجح هذا الحمل لأن الكفر شائع في الإنكار الاعتقادي لا في مطلق الجحود، وأن ضمير {يكونون} للآلهة وفيه تشتيت الضمائر. ولا ضير في ذلك إذ كان السياق يُرجع كلاً إلى ما يناسبه...

ويجوز أن يكون ضميرا {سيكفرون} و {يكونون} راجعين إلى المشركين. وأن حرف الاستقبال للحصول قريباً، أي سيكفر المشركون بعبادة الأصنام ويدخلون في الإسلام ويكونون ضداً على الأصنام يهدمون هياكلها ويلعنونها، فهو بشارة للنبيء بأن دينه سيظهر على دين الكفر. وفي هذه المقابلة طباق مرتين.

والضد: اسم مصدر، وهو خلاف الشيء في الماهية أو المعاملة. ومن الثاني تسمية العدو ضدّاً. ولكونه في معنى المصدر لزم في حال الوصف به حالة واحدة بحيث لا يطابق موصوفه.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{سيكفرون بعبادتهم} يعود إلى العابدين، ويكون المعنى أنهم في يوم القيامة يوم يحتاجون إلى النصير، ويعتزون بالولي يكفرون بعبادة الأوثان التي كانوا يرجون منها النصرة والعزة في الدنيا، إذ تتبين حالهم ويتكشف أمرهم، ويرون أنها لا تملك من أمرها شيئا، ويظهر الصبح، وينجلي الحق {ويكونون عليهم ضدا}، أي يكون العابدون ضدا عليهم ولا يكونون معهم...