{ الحق مِن رَّبّكَ } استئناف كلام قصد به رد الكاتمين ، وتحقيق أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذا فصل ، والحق إما مبتدأ خبره الجار واللام إما للعهد إشارة إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، ولذا ذكر بلفظ المظهر أو الحق الذي كتمه هؤلاء ووضع فيه المظهر موضع المضمر تقريراً لحقيته وتثبيتاً لها ، أو للجنس وهو يفيد قصر جنس الحق على ما ثبت من الله أي أن الحق ذلك كالذي أنت عليه لا غيره كالذي عليه أهل الكتاب ، وإما خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق ، أو هذا الحق ، و{ مِن رَبّكَ } خبر بعد خبر أو حال مؤكدة واللام حينئذٍ للجنس كما في { ذلك الكتاب } [ البقرة : 2 ] ومعناه أن ما يكتمونه هو الحق لا ما يدعونه ويزعمونه ولا معنى حينئذٍ للعهد لأدائه إلى التكرار فيحتاج/ إلى تكلف . وقرأ الإمام علي كرم الله تعالى وجهه { الحق } بالنصب على أنه مفعول { يَعْلَمُونَ } [ البقرة : 146 ] أو بدل ، و{ مِن رَبّكَ } حال منه ، وبه يحصل مغايرته للأول وإن اتحد لفظهما ، وجوز النصب بفعل مقدر كالزم ، وفي التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة من إظهار اللطف به صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى .
{ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } أي الشاكين أو المترددين في كتمانهم الحق عالمين به ، أو في أنه من ربك وليس المراد نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك لأن النهي عن شيء يقتضي وقوعه أو ترقبه من المنهي عنه وذلك غير متوقع من ساحة حضرة الرسالة صلى الله عليه وسلم فلا فائدة في نهيه ، ولأن المكلف به يجب أن يكون اختيارياً ، وليس الشك والتردد مما يحصل بقصد واختيار بل المراد إما تحقيق الأمر وأنه بحيث لا يشك فيه أحد كائناً من كان ، أو الأمر للأمة بتحصيل المعارف المزيلة لما نهى عنه فيجعل النهي مجازاً عن ذلك الأمر وفي جعل امتراء الأمة امتراءه صلى الله عليه وسلم مبالغة لا تخفى ، ولك أن تقول : إن الشك ونحوه وإن لم يكن مقدور التحصيل لكنه مقدور لإزالة البقاء ، ولعل النهي عنه بهذا الاعتبار ولهذا قال الله تعالى : { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } دون فلا تمتر ، ومن ظن أن منشأ الإشكال إفخام الكون لأنه هو الذي ليس مقدوراً فلا ينهى عنه دون الشك والتردد لم يأت بشيء .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{الحق من ربك}: يا محمد إن القبلة التي وليناكها هي القبلة.
{من الممترين}: من الشاكين أن البيت الحرام هو القبلة...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول الله جل ثناؤه: اعلم يا محمد أن الحقّ ما أعلمك ربك وأتاك من عنده، لا ما يقول لك اليهود والنصارى. وهذا من الله تعالى ذكره خبر لنبيه عليه الصلاة والسلام عن أن القبلة التي وجهه نحوها هي القبلة الحقّ التي كان عليها إبراهيم خليل الرحمَن، ومن بعده من أنبياء الله عزّ وجلّ. يقول تعالى ذكره له: فاعمل بالحقّ الذي أتاك من ربك يا محمد ولا تكوننّ... من الشاكين في أن القبلة التي وجهتك نحوها قبلة إبراهيم خليلي عليه السلام وقبلة الأنبياء غيره.
فإن قال لنا قائل: أوَكان النبيّ صلى الله عليه وسلم شاكا في أن الحقّ من ربه، أو في أن القبلة التي وجهه الله إليها حقّ من الله تعالى ذكره حتى نهي عن الشكّ في ذلك فَقِيل لَهُ:"فَلاَ تَكُونَنّ مِنَ المُمْتَرِينَ"؟ قيل: ذلك من الكلام الذي تخرجه العرب مخرج الأمر أو النهي للمخاطب به والمراد به غيره، كما قال جل ثناؤه: (يَا أَيّهَا النّبيّ اتّقِ اللّهَ وَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) ثم قال: (وَاتّبِعْ ما يُوحَىَ إلَيْكَ مِنْ رَبّكَ إن اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا) فخرج الكلام مخرج الأمر للنبيّ صلى الله عليه وسلم والنهي له، والمراد به أصحابه المؤمنون به.
المسألة الأولى: {فلا تكونن من الممترين} في ماذا اختلفوا فيه على أقوال.
(أحدها): فلا تكونن من الممترين في أن الذين تقدم ذكرهم علموا صحة نبوتك، وأن بعضهم عاند وكتم، قاله الحسن.
(وثانيها): بل يرجع إلى أمر القبلة.
(وثالثها): إلى صحة نبوته وشرعه، وهذا هو الأقرب لأن أقرب المذكورات إليه قوله: {الحق من ربك} فإذا كان ظاهره يقتضي النبوة وما تشتمل عليه من قرآن ووحي وشريعة، فقوله: {فلا تكونن من الممترين} وجب أن يكون راجعا إليه.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
ثم ثبّت تعالى نبيه والمؤمنين وأخبرهم بأن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، فقال: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
والنهي في هذه الآية كالوعيد في الآية السابقة. وجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته من كان منهم غير راسخ في الإيمان، وخشي عليه الاغترار بمظاهر أولئك المخادعين الذين يغتر بأمثالهم الأغرار في كل زمان ومكان، ولذلك ارتد بفتنة القبلة بعض ضعفاء الإيمان...
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
{الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ}: هذا الحق الذي هو أحق أن يسمى حقا من كل شيء، لما اشتمل عليه من المطالب العالية، والأوامر الحسنة، وتزكية النفوس وحثها على تحصيل مصالحها، ودفع مفاسدها، لصدوره من ربك، الذي من جملة تربيته لك أن أنزل عليك هذا القرآن الذي فيه تربية العقول والنفوس، وجميع المصالح.
{فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}: فلا يحصل لك أدنى شك وريبة فيه، بل تفكَّر فيه وتأمل، حتى تصل بذلك إلى اليقين، لأن التفكر فيه لا محالة، دافع للشك، موصل لليقين.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وهنا يوجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا البيان بشأن أهل الكتاب:
(الحق من ربك فلا تكونن من الممترين)..
ورسول الله صلى الله عليه وسلم ما امترى يوما ولا شك. وحينما قال له ربه في آية أخرى: فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك.. قال:"لا أشك ولا أسأل"..
ولكن توجيه الخطاب هكذا إلى شخصه صلى الله عليه وسلم يحمل إيحاء قويا إلى من وراءه من المسلمين. سواء منهم من كان في ذلك الحين يتأثر بأباطيل اليهود وأحابيلهم، ومن يأتي بعدهم ممن تؤثر فيهم أباطيل اليهود وغير اليهود في أمر دينهم...
إن هذا القرآن قرآننا. قرآن الأمة المسلمة. وهو كتابها الخالد الذي يخاطبها فيه ربها بما تعمله وما تحذره. وأهل الكتاب هم أهل الكتاب، والكفار هم الكفار. والدين هو الدين!
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
والمقصود من خطاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {ولئن اتبعت} [البقرة: 120]، وقوله: {فلا تكونن من الممترين} تحذير الأمة وهذه عادة القرآن في كل تحذير مُهِم ليكون خطاب النبي بمثل ذلك وهو أقرب الخلق إلى الله تعالى وأولاهم بكرامته دليلاً على أن من وقع في مثل ذلك من الأمة قد حقت عليه كلمة العذاب، وليس له من النجاة باب، ويجوز أن يكون الخطاب في قوله: {من ربك} وقوله: {فلا تكونن} خطاباً لغير معيَّن من كل من يصلح ها الخطاب.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
وإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجاور اليهود، والمؤمنون كانوا يختلطون بهم، ومنهم من كانت لهم محالفة ببعض منهم، ولذلك ثبت الله قلوب المؤمنين، حتى لا تجرهم المودة إلى أهوائهم، أو الشك فيما عندهم، ولذا قال تعالى: {الحق من ربك فلا تكونن من الممترين}.
بعد أن أشار سبحانه وتعالى إلى أنه لا يجوز لمن جاءه الحق هو ومن معه أن يتبعوا أهواء الذين أوتوا الكتاب، وأن من يفعل ذلك يكون من الظالمين ظلما مؤكدا لا مرية فيه، بعد هذا بين أن ما عند النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين هو الدين وأنه الحق فقال: {الحق من ربك} أي الحق الجدير بالاتباع الذي لا ريب فيه هو الذي ينزل عليك من ربك وما غيره باطل لا يتبع، فإن خالفت ما جاء من ربك، فقد خالفته إلى الظلم، لأن ما عداه سير وراء هوى التعصب المنحرف والشرك، وقوله: {من ربك} إشارة إلى أنه من عند الله ذي الجلال الذي رباك وعلمك وهذبك وهداك، وهو الذي يعلم ما ينفع وما يضر وما فيه الهداية وما فيه الضلال.
وإذا كان الحق لا يكون إلا ما هو من جانب الله وأن ما عند غيره هو هوى النفوس، ووسوسة الشياطين {فلا تكونن من الممترين} الفاء لبيان أن ما قبلها سبب لما بعدها، والمعنى إذا كان ما نزل عليك هو الحق من منزل الحق الذي لا ريب فيه فلا تكونن من الممترين. والامتراء التردد بين الشك واليقين، وقد يطلق على مجرد الشك لتردده بين اليقين والشك، بل إن هذا التردد هو الشك في ذاته، فمعنى الشك موجود، واحتمال الشك ولو من وجه ينافي العلم الجازم.
والنهي عن الامتراء نهي عن أن تدخل أسبابه النفس، وأمر باليقين الدائم. ويقول بعض المفسرين: إنه أمر بالاحتياط والتوقي، ذلك أن الشك يدخل النفوس بسريان ما عند أهل الأهواء إلى غيرهم، يبتدئ باستحسان ما عندهم، وأول الشر استحسانه، ثم يدخل الشر إلى النفس شيئا فشيئا حتى يحدث الشك فيما عنده.
وقال الله تعالى: {فلا تكونن من الممترين}، أي لا تدخل في صفوف أهل الشك، وفي ذلك إيذان بأنه شك فيما عنده لدخل في صف الذين يمارون في الحق ويشككون فيه.
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم هو أمر لأمته، فإن الشك أو الامتراء غير متصور منه، وغير متصور أن تكون من النبي صلى الله عليه وسلم أسباب الامتراء أو أن يدخل في صفوف المرتابين في أمر ربهم الذين يكتمون الحق وهم يعلمون، إنما هو أمر لأمته، بأن يحتاطوا لدينهم الحق، فيزيدوا أنفسهم دائما بالعلم الذي يزيدهم إيمانا، وبالقيام بالفرائض، واتباع السنن التي تزيدهم قوة في الاعتقاد، وتبعدهم عن مواطن الشبهات فيزدادوا يقينا، ولا يبعد الشك ويحدث الاطمئنان إلا العمل الصالح وذكر الله تعالى دائما {ألا بذكر الله تطمئن القلوب 28} [الرعد].