روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّـٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ} (10)

{ ذلك } أي ما ذكر من ثبوت الخزي له في الدنيا وإذاقة عذاب الحريق في الأخرى ، وما فيه من معنى البعد للإيذان بكونه في الغاية القاصية من الهول والفظاعة ، وهو مبتدأ خبره قوله تعالى : { بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } أي بسبب ما اكتسبته من الكفر والمعاصي ، وإسناده إلى يديه لما أن الاكتساب عادة يكون بالأيدي ، وجوز أن يكون ذلك خبراً لمبتدأ محذوف أي الأمر ذلك وأن يكون مفعولاً لفعل محذوف أي فعلنا ذلك الخ وهو خلاف الظاهر ، والجملة استئناف لا محل لها من الإعراب ، وجوز أن تكون في محل نصب مفعولة لقول محذوف وقع حالاً أي قائلين أو مقولاً له ذلك الخ ، وعلى الأول يكون في الكلام التفات لتأكيد الوعيد وتشهيد التهديد { وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ } الظاهر أنه عطف على ما وبه قال بعضم ، وفائدته الدلالة على أن سببية ما اقترفوه من الذنوب لعذابهم مقيدة بانضمام انتفاء ظلمه تعالى إليه إذ لولاه لأمكن أن يعذبهم بغير ما اقترفوا لا أن لا يعذبهم بما اقترفوا ، وحاصله أن تعذيب العصاة يحتمل أن يكون لذنوبهم ويحتمل أن يكون لمجرد إرادة عذابهم من غير ذنب فجيء بهذا لرفع الاحتمال الثاني وتعيين الأول للسببية لا لرفع احتمال أن لا يعذبهم بذنوبهم لأنه جائز بل بعض الآيات تدل على وقوعه في حق بعض العصاة ، ومرجع ذلك في الآخرة إلى تقريع الكفر وتبكيتهم بأنه لا سبب للعذاب إلى من قبلهم كأنه قيل : إن ذلك العذاب إنما نشأ من ذنوبكم التي اكتسبتموها لا من شيء آخر .

واختار العلامة أبو السعود أن محل أن وما بعدها الرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف أي والأمر أنه تعالى ليس بمعذب لعبيده من غير ذنب من قبلهم ، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبلها ، وقال في العطف : للدلالة على أن سببية الخ أنه ليس بسديد لما أن إمكان تعذيبه تعالى لعبيده بغير ذنب بل وقوعه لا ينافي كون تعذيب هؤلاء الكفرة المعينة بسبب ذنوبهم حتى يحتاج إلى اعتبار عدمه معه ، نعم لو كان المدعى كون جميع تعذيباته تعالى بسبب ذنوب المعذبين لاحتيج إلى ذلك انتهى .

وتعقب قوله : إن إمكان الخ بأن الكلام ليس في منافاة ذينك الأمرين بحسب ذاتهما بل في منافاة احتمال التعذيب بلا ذنب لتعين سببية الذنوب له وقوله نعم لو كان المدعى الخ بأن الاحتياج إلى ذلك القيد في كل من الصورتين إنما هو لتقريع المذنبين بأنه لا سبب لتعذيبهم إلا من قبلهم فالقول بالاحتياج في صورة الجميع وبعدمه في صورة الخصوصية ركيك جداً ، وتعقب أيضاً بغير ذلك ، والقول بالاعتراض وإن كان لا يخلو عن بعد أبعد عن الاعتراض ، والتعبير عن نفي تعذيبه تعالى لعبيده من غير ذنب بنفي الظلم مع أن تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم على ما تقرر من قاعدة أهل السنة لبيان كمال نزاهته تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه سبحانه من الظلم وصيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب في صورة المبالغة في الظلم ، وقيل : هي لرعاية جمعية العبيد فتكون للمبالغة كما لا كيفا .

واعترض بأن نفي المبالغة كيفما كانت توهم المحال ، وقيل : يجوز أن تعتبر المبالغة بعد النفي فيكون ذلك مبالغة في النفي لا نفياً للمبالغة ، واعترض بأن ذلك ليس مثل القيد المنفصل الذي يجوز اعتبار تأخره وتقدمه كما قالوه في القيود الواقعة مع النفي ، وجعله قيداً في التقدير لأنه بمعنى ليس بذي لم عظيم أو كثير تكلف لا نظير له ، وقيل : إن ظلاماً للنسبة أي ليس بذلك ظلم ولا يختص ذلك بصيغة فاعل فقد جاء

وليست بذي رمح ولست بنبال *** وقيل غير ذلك .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّـٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ} (10)

وذلك بما قدمت يداه ، { وَأَّن اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ }

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّـٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ} (10)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ذلك} العذاب {بما قدمت يداك} من الكفر والتكذيب {وأن الله ليس بظلام للعبيد}، فيعذب على غير ذنب...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

هذا العذاب الذي نذيقكه اليوم بما قدمت يداك في الدنيا من الذنوب والآثام واكتسبته فيها من الإجرام. "وإنّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ للْعَبِيدِ "يقول: وفعلنا ذلك لأن الله ليس بظلام للعبيد، فيعاقب بعض عبيده على جُرْم وهو يغفر مثله من آخر غيره، أو يحمل ذنب مذنب على غير مذنب فيعاقبه به ويعفو عن صاحب الذنب، ولكنه لا يعاقب أحدا إلا على جرمه، ولا يعذب أحدا على ذنب يغفر مثله لآخر إلا بسبب استحق به منه مغفرته...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

ومعناه: إن ما يفعل بالظالم نفسه من عذاب الحريق جزاء على ما كسبت يداه، فذكر اليدين مبالغة في إضافة الجرم إليه...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... والسبب فيما مني به من خزي الدنيا وعذاب الآخرة: هو ما قدمت يداه، وعدل الله في معاقبته الفجار وإثابته الصالحين.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{ذلك بما قدمت يداك}... ونسب التقديم إلى اليدين إذ هما آلتا الاكتساب... و «العبيد» هنا ذكروا في معنى مكسنتهم وقلة قدرتهم فلذلك جاءت هذه الصيغة.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

{ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} أي: يقال له هذا تقريعًا وتوبيخا، {وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ}...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

جرت عادة العرب أن تضيف الأعمال إلى اليد لأنها آلة أكثر العمل، وإضافة ما يؤدي إليهما أنكأ {وأن} أي وبسبب أن {الله} أي الذي له الكمال كله {ليس بظلام} أي بذي ظلم ما {للعبيد} ولو ترككم بغير ذلك لكان في مجاري عاداتكم ظلماً أولاً بتسوية المحسن بالمسيء، وثانياً بترك الانتصار للذين عادوك فيه وأذيتهم من أجله..

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

و {قدّمتْ} بمعنى: أسلفت، جعل كفره كالشيء الذي بعث به إلى دار الجزاء قبل أن يصِل هو إليها فوجده يوم القيامة حاضراً ينتظره، قال تعالى: {ووجدوا ما عملوا حاضراً} [الكهف: 49]. أي ذلك العذاب مسبب لهذين الأمرين فصاحبه حقيق به لأنه جزاء فساده؛ ولأنه أثر عدل الله تعالى وأنه لم يظلمه فيما أذاقه. وصيغة المبالغة تقتضي بظاهرها نفي الظلم الشديد، والمقصود أن الظلم من حيث هو ظلم أمر شديد فصيغت له زنة المبالغة، وكذلك التزمت في ذكره حيثما وقع في القرآن.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

... {وأن الله ليس بظلام للعبيد} ظلام: صيغة مبالغة من الظلم، والمبالغة في الفعل قد تكون في الفعل نفسه أو في تكراره

وصيغة المبالغة لها معنى في الإثبات ولها معنى في النفي وهنا نقول: هناك آيات أخرى تنفي الفعل، كما في قوله تعالى: {ولا يظلم ربك أحدا (49)} [الكهف]، وقوله تعالى: {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين (76)} [الزخرف].كما أن صيغة المبالغة هنا جاءت مضافة للعبيد، فعلى فرض المبالغة تكون مبالغة في تكرار الحدث {بظلام للعبيد} ظلم هذا، وظلم هذا، وظلم هذا، فالمظلوم عبيد، وليس عبدا واحدا. فالحق سبحانه ليس بظلام للعبيد، لأنه بين الحلال والحرام، وبين الجريمة ووضع لها العقوبة، وقد بلغت الرسل من بداية الأمر فلا حجة لأحد.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{ذلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} ذلك هو الخطاب الحاسم الذي يواجه به عندما يستنكر أو يحتج أو يتساءل، فقد قدّمت يداك وأنت في الدنيا كل هذا النتاج الضخم من الأعمال الشريرة القائمة على الكفر والضلال، دون ركيزة من علم، ودون قاعدةٍ من إيمان، فهل هناك أيّ ظلم في ما تلقاه الآن من عذاب؟! فعذاباتك نتيجة طبيعية لأعمالك، وقد أنذرك الله وحذّرك من كل ما تتعرض له الآن.

{وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِّلعَبِيدِ} ولكن الناس يظلمون أنفسهم بالكفر والمعصية والضلال الشديد. وهذا النموذج الذي تقدمه الآية يمكن معاينته في الواقع في صورة الذين ينطلقون مع انتماءات الكفر والباطل ويتحملون مسؤولية الدعوة إلى الأفكار الضالة التي تمثلها تلك الانتماءات، في مجال العقيدة والشريعة والمنهج والحياة، فيحفظون شيئاً مما يلقى إليهم، ويختزنون ملاحظات سريعة، ويشكلون أفكاراً سطحية ينطلقون بها إلى الناس، مستغلين بعض الأوضاع القلقة، والزخارف الزاهية، والمواقف المثيرة، ليضلوهم بالشبهة والوهم والخيال، وليحاصروهم بالمشاكل المتحركة في كل موقع من حياتهم التي توحي لهم بألف موقف ضلال...