روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَا يَمَسُّهُمۡ فِيهَا نَصَبٞ وَمَا هُم مِّنۡهَا بِمُخۡرَجِينَ} (48)

{ لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا } أي في تلك الجنات { نَصَبٌ } تعب ما إما بأن لا يكون لهم فيها ما يوجبه من السعي في تحصيل ما لا بد لهم منه لحصول كل ما يشتهونه من غير مزاولة عمل أصلاً ، وإما بأن لا يعتريهم ذلك وإن باشروا الحركات العنيفة لكمال قوتهم .

وفي بعض الآثار أن قوة الواحد منهم قوة أربعين رجلاً من رجال الدنيا ؛ والجملة استئناف نحوي أو بياني أو حال من الضمير في { فِي جنات } [ الحجر : 45 ] أو من الضمير في { إِخْوَانًا } [ الحجر : 47 ] أو من الضمير في { متقابلين } [ الحجر : 47 ] أو من الضمير في { على سُرُرٍ } [ الحجر : 47 ] { وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } أي هم خالدون فيها . فالمراد استمرار النفي وذلك لأن إتمام النعمة بالخلود ، وهذا متكرر مع { ءامِنِينَ } [ الحجر : 46 ] إن أريد منه الأمن من زوالهم عن الجنة وانتقالهم منها ، وارتكب ذلك للاعتناء والتأكيد وإن أريد به الأمن من زوال ما هم عليه من النعيم والسرور والصحة لا يتكرر ، وبحث بعضهم في لزوم التكرار بأن الأمن من الشيء لا يستلزم عدم وقوعه كأمن الكفرة من مكر الله تعالى مثلاً وأنه يجوز أن يكون المراد زوال أنفسهم بالموت لا الزوال عن الجنة ، وتعقب بأن الثاني في غاية البعد فإنه لا يقال للميت : إنه فيها وإن دفن بها كالأول فإن الله تعالى إذا بشرهم بالأمن منه كيف يتوهم عدم وقوعه .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{لَا يَمَسُّهُمۡ فِيهَا نَصَبٞ وَمَا هُم مِّنۡهَا بِمُخۡرَجِينَ} (48)

{ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ } لا ظاهر ولا باطن ، وذلك لأن الله ينشئهم نشأة وحياة كاملة لا تقبل شيئا من الآفات ، { وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ } على سائر الأوقات .

ولما ذكر ما يوجب الرغبة والرهبة من مفعولات الله من الجنة والنار ، ذكر ما يوجب ذلك من أوصافه تعالى فقال :

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{لَا يَمَسُّهُمۡ فِيهَا نَصَبٞ وَمَا هُم مِّنۡهَا بِمُخۡرَجِينَ} (48)

ثم ختم - سبحانه - بيان جزائهم بقوله : { لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } .

والنصب : التعب والإِعياء . يقال : نصب الرجل نصبا - من باب طرب - إذا نزل به التعب والهم . ويقال فلان فى عيش ناصب ، أى فيه كد وجهد .

قال ابن كثير قوله - تعالى - : { لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ } يعنى مشقة وأذى كما جاء فى الصحيحين ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله أمرنى أن أبشر خديجة ببيت فى الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب " .

وقوله { وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } - بل هم باقون فى الجنات بقاء سرمديا دائماً لا ينقطع - كما جاء فى الحديث : " يقال - لأهل الجنة - يا أهل الجنة : إن لكم أن تصحوا فلا تمرضوا أبداً ، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبداً ، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً ، وإن لكم أن تقيموا فلا تظعنوا أبداً " .

فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على بشارات للمؤمنين الصادقين ، هذه البشارات مقرونة بالتعظيم ، خالية من الشوائب والأضرار ، باقية لا انقطاع لها .

أما البشارات فتراها فى قوله - تعالى - { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } .

وأما اقترانها بالتعظيم والتكريم ، فتراه فى قوله - تعالى - : { ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ } .

وأما خلوها من الشوائب والأضرار ، فتراه فى قوله - تعالى - : { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً . . . } .

وأما بقاؤها واستمرارها ، فتراه فى قوله - تعالى - : { وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } .

هذا ، وشبيه بهذه الآيات قوله - تعالى - :

{ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ . . . }

وقوله - تعالى -

{ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ . . . }

وقوله - تعالى - :

{ وَقَالُواْ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ }

وقوله - تعالى - :

{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً }

ثم بين - سبحانه - نماذج لمن شملتهم رحمته لإِيمانهم وعملهم الصالح ، ولمن شملتهم نقمته لكفرهم وعملهم الطالح ، ومن هذه النماذج تبشيره لإِبراهيم - وهو شيخ كبير - بغلام عليم ، وإنجاؤه لوطا ومن آمن معه من العذاب المهين ، وإهلاكه المجرمين من قومه . . قال - تعالى - : { نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . . . } .