{ لَّقَدْ كَانَ في يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ } أي في قصصهم ، والظاهر أن المراد بالإخوة هنا ما أريد بالإخوة فيما مر ، وذهب جمع إلى أنهم هناك بنو علاته ، وجوز أن يراد بهم ههنا ما يشمل من كان من الأعيان لأن لبنيامين أيضاً حصة من القصة ، ويبعده على ما قيل : { قَالُواْ } [ يوسف : 8 ] الآتي { ءايات } علامات عظيمة الشأن دالة على عظيم قدرة الله تعالى القاهرة وحكمته الباهرة { *للِّسَّائلينَ } لكل من سأل عن قصتهم وعرفها . أو للطالبين للآيات المعتبرين بها فإنهم الواقفون عليها المنتفعون بها دون من عداهم ممن اندرج تحت قوله تعالى : { وَكَأَيّن مِن ءايَة في * السموات والارض *يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } [ يوسف : 105 ] فالمراد بالقصة نفس المقصوص . أو على نبوته عليه الصلاة والسلام الذين سألوه عن قصتهم حسبما علمت في بيان سبب النزول فأخبرهم صلى الله عليه وسلم بذلك على ما هو عليه من غير سماع من أحد ولا قراءة كتاب ، فالمراد بالقصة اقتصاصها ، وجمع الآيات حينئذ قيل : للاشعار بأن اقتصاص كل طائفة من القصة آية بينة كافية في الدلالة على نبوته صلى الله عليه وسلم ، وقيل : لتعدد جهة الاعجاز لفظاً ومعنى ، وزعم بعض الجلة أن الآية من باب الاكتفاء ، والمراد { ءايات } للذين يسألون والذين لا يسألون ، ونظير ذلك قوله سبحانه : { سَوَاء لّلسَّائِلِينَ } [ فصلت : 10 ] وحسن ذلك لقوة دلالة الكلام على المحذوف ، وقال ابن عطية : إن المراد من السائلين الناس إلا أنه عدل عنه تحضيضاً على تعلم مثل هذه القصة لما فيها من مزيد العبر ، وكلا القولين لا يخلو عن بعد .
وقرأ أهل مكة . وابن كثير . ومجاهد آية على الافراد ، وفي مصحف أبي عبرة للسائلين .
( ومن باب الإشارة ) :{ لَّقَدْ كَانَ في يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ ءايات لّلسَّائِلِينَ } [ يوسف : 7 ] وذلك كسواطع نور الحق من وجهه وظهور علم الغيب من قلبه ومزيد الكرم من أفعاله وحسن عقبى الصبر من عاقبته ، وكسوء حال الحاسد وعدم نقض ما أبرمه الله تعالى وغير ذلك ، وقال بعضهم : إن من الآيات في يوسف عليه السلام أنه حجة على كل من حسن الله تعالى خلقه أن لا يشوهه بمعصيته ومن لم يراع نعمة الله تعالى فعصى كان أشبه شيء بالكنيف المبيض والروث المفضض .
وقال ابن عطاء : من الآيات أن لا يسمع هذه القصة محزون مؤمن بها إلا استروح وتسري عنه ما فيه ،
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك حالة إخوة يوسف وهم يتآمرون عليه ، وحالتهم وهم يجادلون أباهم في شأنه . وحالتهم وهم ينفذون مؤامراتهم المنكرة وحالتهم بعد أن نفذوها وعادوا إلى أبيهم ليلا يتباكون فقال - تعالى - :
{ لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ . . . } .
قوله - سبحانه - { لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ } شروع في حكاية قصة يوسف مع إخوته ، بعد أن بين - سبحانه - صفة القرآن الكريم ، وبعد أن أخبر عما رآه يوسف في منامه ، وما قاله أبوه له .
وإخوة يوسف هم : رأو بين ، وشمعون ، ولاوى ، ويهوذا ، ويساكر ، وزبولون ، ودان ، ونفتالى ، وجاد ، وأشير ، وبينامين .
والآيات : جمع آية والمراد بها هنا العبر والعظات والدلائل الدالة على قدرة الله - تعالى - ووجوب إخلاص العبادة له .
والمعنى : لقد كان في قصة يوسف مع إخوته عبر وعظات وعظيمة ، ودلائل تدل على قدرة الله القاهرة ، وحكمته الباهرة ، وعلى ما للصبر وحسن الطوية من عواقب الخير والنصر ، وعلى ما للحسد والبغى من شرور وخذلان .
وقوله : " للسائلين " أى : لمن يتوقع منهم السؤال ، بقصد الانتفاع بما ساقه القرآن الكريم من مواعظ وأحكام .
أى : لقد كان فيما حدث بين يوسف وإخوته ، آيات عظيمة ، لكل من سأل عن قصتهم ، وفتح قلبه للانتفاع بما فيها من حكم وأحكام ، تشهد بصدق النبى - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه .
وهذا الافتتاح لتلك القصة ، كفيل بتحريك الانتباه لما سيلقى بعد ذلك منها ، ومن تفصيل لأحداثها ، وبيان لما جرى فيها .
قوله تعالى : { لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ 7 إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ 8 اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ 9 قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ } { آيَاتٌ } ، بمعنى عبرة ومواعظ ، للذين سألوا عن ذلك ، وهم المستخبرون عن حقيقة يوسف وقصته ؛ فقد سألوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة ، فقالوا : أخبرنا عن رجل من الأنبياء كان بالشام اخرج ابنه من مصر فبكى عليه حتى عمي . ولم يكن بمكة حينئذ أحد من أهل الكتاب ولا من يعرف خبر الأنبياء ، وغنما أشار اليهود من المدينة إلى مشركي مكة ليسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا ؛ فأنزل الله جز وجل سورة يوسف جملة واحدة ، فيها كل ما في التوراة من خبر وأكثر ؛ فكان ذلك آية للنبي صلى الله عليه وسلم تنطق بصدق رسالته وأنه أوحي إليه بذلك من السماء .
وقد أنزل الله هذه السورة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم يعلمه فيها ما لقي يوسف من إخوته ؛ إذ آذوه بالحسد والكيد والقطيعة على قتله مع تكريم الله له بالتنحية والتشريف وعلو المنزلة ، فضلا عما كتب الله له من عظيم الأجر على اصطباره على مكرهم وحسدهم وأذاهم ، ويراد من ذلك أيضا التخفيف مما يجده نبينا صلى الله عليه وسلم من موجدة وأسى لما يلقاه من أذى قريش وصدهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.