روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَوَجَدَكَ عَآئِلٗا فَأَغۡنَىٰ} (8)

وقوله تعالى : { وَوَجَدَكَ عَائِلاً فأغنى } على نمط سابقه والعائل المفتقر من عال يعيل عيلاً وعيلة وعيولاً ومعيلاً افتقر أي وجدك عديم المقتنيات فأغناك بما حصل لك من ربح التجارة وذلك في سفره صلى الله عليه وسلم مع ميسرة إلى الشام وبما وهبته لك خديجة رضي الله تعالى عنها من المال وكانت ذا مال كثير فلما تزوجها عليه الصلاة والسلام وهبته جميعه له صلى الله عليه وسلم لئلا يقول قائل ما يثقل على سمعه الشريف عليه الصلاة والسلام وبمال أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وكان أيضاً ذا مال فأتى به كله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام ما تركت لعيالك فقال تركت الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وقيل بما أفاء عليك من الغنائم وفيه أن السورة مكية والغنائم إنما كانت بعد الهجرة وقيل المراد فنعك وأغنى قلبك فإن غنى القلب هو الغنى وقد قيل من عدم القناعة لم يفده المال غنى وقيل أغناك به عز وجل عما سواه وهذا الغنى بالافتقار إليه تعالى وفي الحديث «اللهم أغنني بالافتقار إليك ولا تفقرني بالاستغناء عنك » وبهذا ألم بعض الشعراء فقال

: ويعجبني فقري إليك ولم يكن *** ليعجبني لولا محبتك الفقر

وشاع حديث الفقر فخرى وحمل الفقر فيه على هذا المعنى وهو على ما قال ابن حجر باطل موضوع وأشد منه وضعاً وبطلاناً ما يذكره بعض المتصوفة إذا تم الفقر فهو الله سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً وقد خاضوا في بيان المراد به بما لا يدفع بشاعته بل لا يقتضي استقامته وقيل عائلاً أي ذا عيال من عال يعول عولاً وعيالة كثر عياله ويحتمل المعنيين قول جرير

: الله نزل في الكتاب فريضة *** لابن السبيل وللفقير العائل

ولعل الثاني فيه أظهر ورجح الأول في الآية بقراءة ابن مسعود عديماً وأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن ذا عيال في أول أمره صلى الله عليه وسلم وقرأ اليماني عيلاً كسيد بشد الياء المكسورة هذا وذكر عصام الدين في هذه الآيات أنه يحتمل أن يراد باليتيم فاقد المعلم فإن الآباء ثلاثة من علمك ومن زوجك ومن ولدك ويناسبه حمل الضلال على الضلال عن العلم وحمل العيال أي على تفسير عائلاً بذا عيال على عيال الأمة الطالبة منه معرفة مصالح الدين مع احتايجه إلى المعرفة فأغناه الله تعالى بالوحي إليه عليه الصلاة والسلام ولا يخفى ما فيه وحذف المفعول في الأفعال الثلاثة لظهور المراد مع رعاية الفواصل وقيل ليدل على سعة الكرم والمراد آواك وآوى لك وبك وهداك ولك وبك وأغناك ولك وبك وظاهر الفاء مع تلك الأفعال نأبى ذلك وأطال الإمام الكلام في الآيات وأتى فيها بغث وسمين ولولا خشية الملل لذكرنا ما فيه .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَوَجَدَكَ عَآئِلٗا فَأَغۡنَىٰ} (8)

وقوله - سبحانه - : { وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فأغنى } بيان لنعمة ثالثة من نعمه - تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم .

وأصل العائل : الإِنسان الذى له عائلة لا يستطيع الإِنفاق عليها ، ثم أطلق هذا اللفظ على الإِنسان الفقير حتى ولو لم تكن له عائلة أو أسرة ، والفقر يسمى عيلة ، كما فى قوله - تعالى - : { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً } - أى : فقرا - { فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ . . . } أى : وقد كنت - أيها الرسول الكريم - فقيرا ، حيث مات أبوك دون أن يترك لك مالا كثيرا ، ونشأت فى كنف جدك ثم عمك ، وأنت على هذه الحال ، ثم أغناك الله - تعالى - بفضله وكرمه بنوعين من الغنى :

أما أولهما - وهو الأعظم - : فهو غنى النفس ، بأن منحك نفسا عفيفة قانعة بما أعطاك - سبحانه - من رزق ، حتى ولو كان كفافا .

وأما ثانيهما : فهو الغنى المادى عن الاحتياج إلى الناس ، بما أجراه على يديك من الربح فى التجارة ، وبما وهبتك زوجك خديجة من مالها ، فعشت مستور الحال ، غير محتاج إلى من ينفق عليك .

وهكذا نجد الآيات الكريمة تبين لنا أن من فضل الله - تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم أنه آواه فى يتمه وصغره ، وهداه من ضلاله وحيرته ، وأغناه بعد فقره وحاجته .

وبعد أن عدد - سبحانه - هذه النعم لنبيه صلى الله عليه وسلم أمره بشكرها ، وأداء حقوقها .

فقال - تعالى - : { فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ . . }