التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{۞لَّقَدۡ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخۡوَتِهِۦٓ ءَايَٰتٞ لِّلسَّآئِلِينَ} (7)

جملة ابتدائية ، وهي مبدأ القصص المقصود ، إذ كان ما قبله كالمقدمة له المنبئة بنباهة شأن صاحب القصة ، فليس هو من الحوادث التي لحقت يوسف عليه السّلام ولهذا كان أسلوب هذه الجملة كأسلوب القصص ، وهو قوله : { إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منّا } [ سورة يوسف : 8 ] نظير قوله تعالى : { إنْ يوحَى إليّ إلاّ أنّما أنا نذيرٌ مبينٌ إذ قال ربك للملائكة إنّي خالقٌ بشراً من طينٍ } [ سورة ص : 70 ، 71 ] إلى آخر القصة .

والظرفية المستفاد من { في } ظرفية مجازية بتشبيه مقارنة الدليل للمدلول بمقارنة المظروف للظرف ، أي لقد كان شأن يوسف عليه السّلام وإخوته مقارناً لدلائل عظيمة من العبر والمواعظ ، والتعريف بعظيم صنع الله تعالى وتقديره .

والآيات : الدلائل على ما تتطلب معرفته من الأمور الخفية .

والآيات حقيقة في آيات الطريق ، وهي علامات يجعلونها في المفاوز تكون بادية لا تغمرها الرمال لتكون مرشدة للسائرين ، ثم أطلقت على حجج الصدق ، وأدلة المعلومات الدقيقة . وجمع الآيات هنا مراعى فيه تعدّدها وتعدّد أنواعها ، ففي قصة يوسف عليه السّلام دلائل على ما للصّبر وحسن الطويّة من عواقب الخير والنصر ، أو على ما للحسد والإضرار بالنّاس من الخيبة والاندحار والهبوط .

وفيها من الدلائل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنّ القرآن وحي من الله ، إذ جاء في هذه السورة ما لا يعلمه إلاّ أحْبار أهل الكتاب دون قراءة ولا كتاب وذلك من المعجزات .

وفي بلاغة نظمها وفصاحتها من الإعجاز ما هو دليل على أنّ هذا الكلام من صنع الله ألقاه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم معجزة له على قومه أهل الفصاحة والبلاغة .

والسائلون : مراد منهم مَن يُتوقع منه السؤال عن المواعظ والحكم كقوله تعالى : { في أربعة أياممٍ سواءً للسائلين } [ سورة فصلت : 10 ] . ومثل هذا يستعمل في كلام العرب للتشويق ، والحثّ على تطلب الخبر والقصة . قال طرفة :

سائلوا عنّا الذي يعرفنا *** بقوانا يوم تحلاق اللمم

وقال السموءل أو عبد الملك الحارثي

سَلي إن جهلت الناسَ عنّا وعنهم *** فليس سواءً عالمٌ وجهول

وقال عامر بن الطفيل :

طُلّقتِ إن لم تَسْألي أيُّ فارس *** حَليلك إذ لاَقَى صُداءً وخَثعما

وقال أنيف بن زبان النبهاني :

فلمّا التقينا بين السّيف بيننا *** لسائلة عنا حَفي سؤالها

وأكثر استعمال ذلك في كلامهم يكون توجيهه إلى ضمير الأنثى ، لأنّ النساء يُعنين بالسؤال عن الأخبار التي يتحدث الناس بها ، ولمّا جاء القرآن وكانت أخباره التي يشوق إلى معرفتها أخبارَ علم وحكمة صُرف ذلك الاستعمال عن التوجيه إلى ضمير النسوة ، ووجّه إلى ضمير المذكّر كما في قوله : { سَأل سائلٌ بعذابٍ واقعٍ } [ سورة المعارج : 1 ] وقوله : { عَمّ يتساءلون } [ سورة النبأ : 1 ] .

وقيل المراد ب ( السائلين ) اليهود إذ سأل فريق منهم النبي عن ذلك . وهذا لا يستقيم لأنّ السورة مكيّة ولم يكن لليهود مخالطة للمسلمين بمكة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞لَّقَدۡ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخۡوَتِهِۦٓ ءَايَٰتٞ لِّلسَّآئِلِينَ} (7)

قوله تعالى : " لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين " يعني من سأل عن حديثهم . وقرأ أهل مكة " آية " على التوحيد ، واختار أبو عبيد " آيات " على الجمع ، قال : لأنها خير كثير . قال النحاس : و " آية " هنا قراءة حسنة ، أي لقد كان للذين سألوا عن خبر يوسف آية فيما خبروا به ؛ لأنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة فقالوا : أخبرنا عن رجل من الأنبياء كان بالشام أخرج ابنه إلى مصر ، فبكى عليه حتى عمي ؟ - ولم يكن بمكة أحد من أهل الكتاب ، ولا من يعرف خبر الأنبياء ؛ وإنما وجه اليهود إليهم{[8954]} من المدينة يسألونه عن هذا - فأنزل الله عز وجل سورة " يوسف " جملة واحدة ، فيها كل ما في التوراة من خبر وزيادة ، فكان ذلك آية للنبي صلى الله عليه وسلم ، بمنزلة إحياء عيسى ابن مريم عليه السلام الميت . " آيات{[8955]} " موعظة ، وقيل : عبرة . وروي أنها في بعض المصاحف " عبرة " . وقيل : بصيرة . وقيل : عجب ، تقول فلان آية في العلم والحسن أي عجب . قال الثعلبي في تفسيره : لما بلغت الرؤيا إخوة يوسف حسدوه ، وقال ابن زيد : كانوا أنبياء ، وقالوا : ما يرضى أن يسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه ! فبغوه بالعداوة ، وقد تقدم رد هذا القول . قال الله تعالى : " لقد كان في يوسف وإخوته " وأسماؤهم : روبيل وهو أكبرهم ، وشمعون ولاوى ويهوذا وزيالون ويشجر ، وأمهم ليا بنت ليان ، وهي بنت حال يعقوب ، وولد له من سريتين أربعة نفر ، دان ونفتالي وجاد وأشر ، ثم توفيت ليا فتزوج يعقوب أختها راحيل ، فولدت له يوسف وبنيامين ، فكان بنو يعقوب اثني عشر رجلا . قال السهيلي : وأم يعقوب اسمها رفقا ، وراحيل ماتت في نفاس بنيامين ، وليان بن ناهر بن آزر هو خال يعقوب . وقيل : في اسم الأمتين ليا وتلتا ، كانت إحداهما لراحيل ، والأخرى لأختها ليا ، وكانتا قد وهبتاهما ليعقوب ، وكان يعقوب قد جمع بينهما ، ولم يحل لأحد بعده ؛ لقول الله تعالى : " وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف " {[8956]} [ النساء : 23 ] . وقد تقدم الرد على ما قاله ابن زيد ، والحمد لله .


[8954]:من ع و ز و ك و ي.
[8955]:في ع: آية. بالتوحيد وهو المطابق للتفسير.
[8956]:راجع ج 5 ص 116.