التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (107)

هذه الجملة واقعة موقع التعليل فلذلك فصلت عن التي قبلها ، وإشارة ذلك إلى مضمون قوله { فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم } [ سورة النحل : 106 ] .

وضمير { بأنهم } عائد إلى { من كفر بالله } [ سورة النحل : 106 ] سواء كان ما صْدق { مَن } معيّناً أو مفروضاً على أحد الوجهين السابقين .

والباء للسببية ، فمدخولها سبب .

و { استحبّوا } مبالغة في ( أحبوا ) مثل استأخر واستكان . وضمن ( استحبّوا ) معنى ( فضّلوا ) فعدي بحرف ( على ) ، أي لأنهم قدّموا نفع الدنيا على نفع الآخرة ، لأنهم قد استقر في قلوبهم أحقّية الإسلام وما رجعوا عنه إلا خوفَ الفتنة أو رغبة في رفاهية العيش ، فيكون كفرهم أشدّ من كفر المستصحبين للكفر من قبل البعثة .

{ وأن الله لا يهدى القوم الكافرين } سبب ثَان للغضب والعذاب ، أي وبأن الله حرمهم الهداية فهم موافونه على الكفر . وقد تقدم تفسير ذلك عند قوله تعالى : { إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله } [ سورة النحل : 104 ] .

وهو تذييل لِما في صيغة { القوم الكافرين } من العموم الشامل للمتحدّث عنهم وغيرهم ، فليس ذلك إظهاراً في مقام الإضمار ولكنه عموم بعد خصوص .

وإقحام لفظ ( قوم ) للدّلالة على أن من كان هذا شأنهم فقد عرفوا به وتمكّن منهم وصار سجيّة حتى كأنهم يجمعهم هذا الوصفُ .

وقد تقدّم أن جريان وصف أو خبر على لفظ ( قوم ) يؤذن بأنه من مقوّمات قوميتهم كما في قوله تعالى : { لآيات لقوم يعقلون } في سورة البقرة ( 164 ) ، وقوله تعالى : { وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون } في سورة يونس ( 101 ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (107)

قوله تعالى : " ذلك " ، أي : ذلك الغضب . " بأنهم استحبوا الحياة الدنيا " ، أي : اختاروها على الآخرة . " وأن الله " ، " أن " ، في موضع خفض عطفا على : " بأنهم " .