التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ} (147)

تذييل لجملة : { وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق } [ البقرة : 146 ] ، على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا الحق ، وحَذفُ المسند إليه في مثل هذا مما جرى على متابعة الاستعمال في حذف المسند إليه بعد جريان ما يَدل عليه مِثل قولهم بعد ذكر الديار « رَبْعٌ قَواءٌ » وبعد ذكر الممدوح « فتى » ونحو ذلك كما نبه عليه صاحب « المفتاح » . وقوله : { فلا تكونن من الممترين } نهي عن أن يكون من الشاكِّين في ذلك والمقصود من هذا .

والتعريف في { الحق } تعريف الجنس كما في قوله : { الحمد لله } [ الفاتحة : 2 ] وقولهم الكرم في العرب هذا التعريف لجزئي الجملة الظاهر والمقدَّر يفيد قصر الحقيقة على الذي يكتمونه وهو قصر قلب أي لا ما يظهرونه من التكذيب وإظهار أن ذلك مخالف للحق .

والامتراء افتعال من المِراء وهو الشك ، والافتعالُ فيه ليس للمطاوعة ومصدر المِرْية لا يعرف له فعل مجرَّد بل هو دائماً بصيغة الافتعال .

والمقصود من خطاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { ولئن اتبعت } [ البقرة : 120 ] ، وقوله : { فلا تكونن من الممترين } تحذير الأمة وهذه عادة القرآن في كل تحذير مُهِم ليكون خطاب النبي بمثل ذلك وهو أقرب الخلق إلى الله تعالى وأولاهم بكرامته دليلاً على أن من وقع في مثل ذلك من الأمة قد حقت عليه كلمة العذاب ، وليس له من النجاة باب ، ويجوز أن يكون الخطاب في قوله : { من ربك } وقوله : { فلا تكونن } خطاباً لغير معيَّن من كل من يصلح ها الخطاب .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ} (147)

قوله تعالى : " الحق من ربك " يعني استقبال الكعبة ، لا ما أخبرك به اليهود من قبلتهم . وروي عن علي رضي الله عنه أنه قرأ " الحق " منصوبا ب " يعلمون " أي يعلمون الحق . ويصح نصبه على تقدير الزم الحق . والرفع على الابتداء أو على إضمار مبتدأ والتقدير هو الحق ، أو على إضمار فعل ، أي جاءك الحق . قال النحاس : فأما الذي في " الأنبياء " " الحق فهم معرضون{[1294]} " [ الأنبياء : 24 ] فلا نعلم أحدا قرأه إلا منصوبا ، والفرق بينهما أن الذي في سورة " البقرة " مبتدأ آية{[1295]} ، والذي في الأنبياء ليس كذلك .

قوله تعالى : " فلا تكونن من الممترين " أي من الشاكين . والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته . يقال : امترى فلان [ في ] كذا إذا اعترضه اليقين مرة والشك أخرى فدافع إحداهما بالأخرى ، ومنه المراء ؛ لأن كل واحد منهما يشك في قول صاحبه . والامتراء في الشيء الشك فيه ، وكذا التماري . وأنشد الطبري شاهدا على أن الممترين الشاكون قول الأعشى :

تدُِرّ على أسْؤُق الممتري *** ن ركْضاً إذا ما السراب ارْجَحَنَّ

قال ابن عطية : ووهم في هذا ، لأن أبا عبيدة وغيره قال : الممترون في البيت هم الذين يمرون الخيل بأرجلهم همزا لتجري كأنهم يحتلبون الجري منها ، وليس في البيت معنى الشك كما قال الطبري . قلت : معنى الشك فيه موجود ، لأنه يحتمل أن يختبر الفرس صاحبه هل هو على ما عهد من الجري أم لا ، لئلا يكون أصابه شيء ، أو يكون هذا عند أول شرائه فيجريه ليعلم مقدار جربه . قال الجوهري : ومريت الفرس إذا استخرجت ما عنده من الجري بسوط أو غيره . والاسم المرية ( بالكسر ) وقد تضم . ومريت الناقة مريا : إذا مسحت ضرعها لتدر . وأمرت هي إذا در لبنها ، والاسم المرية ( بالكسر ) ، والضم غلط . والمرية : الشك ، وقد تضم ، وقرئ بهما .


[1294]:راجع ج 11 ص 280
[1295]:في ا: "به".