التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا} (42)

والتسبيح : يجوز أن يراد به الصلوات النوافل فليس عطف { وسبحوه } على { اذكروا الله } من عطف الخاص على العام .

ويجوز أن يكون المأمور به من التسبيح قول : سبحان اللَّه ، فيكون عطف { وسبّحوه } على { اذكروا الله } من عطف الخاص على العام اهتماماً بالخاص لأن معنى التسبيح التنزيه عما لا يجوز على الله من النقائص فهو من أكمل الذكر لاشتماله على جوامع الثناء والتمجيد ، ولأن في التسبيح إيماء إلى التبرؤ مما يقوله المنافقون في حقّ النبي صلى الله عليه وسلم فيكون في معنى قوله تعالى : { ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم } [ النور : 16 ] فإن كلمة : سبحان الله ، يكثر أن تقال في مقام التبرُّؤ من نسبة ما لا يليق إلى أحد كقول النبي صلى الله عليه وسلم « سُبحان الله المُؤمن لا ينجس » . وقول هند بنت عتبة حين أخذ على النساء البيعة « أن لا يَزْنين » : سبحان الله أتزني الحرّة .

والبُكرة : أول النهار . والأصيل : العشيّ الوقت الذي بعد العصر . وانتصبا على الظرفية التي يتنازعها الفعلان { اذكروا الله . . وسبحوه } .

والمقصود من البُكرة والأصيل إعمار أجزاء النهار بالذكر والتسبيح بقدر المُكْنة لأن ذكر طرفي الشيء يكون كناية عن استيعابه كقول طرفة :

لكَالِطّوَل المرخَى وثِنياه باليد

ومنه قولهم : المشرق والمغرب ، كناية عن الأرض كلّها ، والرأسُ والعقب كناية عن الجسد كله ، والظهر والبطن كذلك .

وقدّم البكرة على الأصيل لأن البكرة أسبق من الأصيل لا محالة . وليس الأصيل جديداً بالتقديم في الذكر كما قُدم لفظ { تمسون } في قوله في سورة الروم { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون } [ الروم : 17 ] لأن كلمة المساء تشمل أول الليل فقدم لفظ { تمسون } هنالك رعّياً لاعتبار الليل أسبق في حساب أيام الشهر عند العرب وفي الإِسلام وليست كذلك كلمة الأصيل .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا} (42)

أي اشغلوا ألسنتكم في معظم أحوالكم بالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير . قال مجاهد : وهذه كلمات يقولهن الطاهر والمحدث والجنب . وقيل : ادعوه . قال جرير :

فلا تنس تسبيح الضحى إن يوسفًا *** دعا ربه فاختاره حين سبَّحَا

وقيل : المراد صلوا لله بكرة وأصيلا ، والصلاة تسمى تسبيحا . وخص الفجر والمغرب والعشاء بالذكر ؛ لأنها أحق بالتحريض عليها ، لاتصالها بأطراف الليل{[12844]} . وقال قتادة والطبري : الإشارة إلى صلاة الغداة وصلاة العصر . والأصيل : العشي وجمعه أصائل . والأصل بمعنى الأصيل ، وجمعه آصال ، قاله المبرد . وقال غيره : أصل جمع أصيل ، كرغيف ورغف . وقد تقدم{[12845]} .

مسألة : هذه الآية مدنية ، فلا تعلق بها لمن زعم أن الصلاة إنما فرضت أولا صلاتين ، في طرفي النهار . والرواية بذلك ضعيفة فلا التفات إليها ولا معول عليها . وقد مضى الكلام في كيفية فرض الصلاة وما للعلماء في ذلك في " الإسراء " {[12846]} والحمد لله .


[12844]:في ك:" بأطراف النهار".
[12845]:راجع ج 7 ص 355.
[12846]:راجع ج 10 ص 210.