التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{تَحِيَّتُهُمۡ يَوۡمَ يَلۡقَوۡنَهُۥ سَلَٰمٞۚ وَأَعَدَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَرِيمٗا} (44)

أعقب الجزاء العاجل الذي أنبأ عنه قوله : { هو الذي يصلي عليكم وملائكته } [ الأحزاب : 43 ] بذكر جزاء آجل وهو ظهور أثر الأعمال التي عملوها في الدنيا وأثر الجزاء الذي عجّل لهم عليها من الله في كرامتهم يوم يلقون ربهم .

فالجملة تكملة للتي قبلها لإِفادة أن صلاة الله وملائكته واقعة في الحياة الدنيا وفي الدار الآخرة .

والتحية : الكلام الذي يخاطب به عندَ ابتداء الملاقاة إعراباً عن السرور باللقاء من دعاء ونحوه . وهذا الاسم في الأصل مصدر حيّاه ، إذا قال له : أحْياك الله ، أي أطال حياتك . فسمى به الكلام المعرب عن ابتغاء الخير للملاقَى أو الثناء عليه لأنه غلب أن يقولوا : أحياك الله عند ابتداء الملاقاة فأطلق اسمها على كل دعاء وثناء يقال عند الملاقاة وتحية الإِسلام : سَلامٌ عليك أو السلامُ عليكم ، دعاء بالسلامة والأمن ، أي من المكروه لأن السلامة أحسن ما يُبتغى في الحياة . فإذا أحياه الله ولم يُسلِّمه كانت الحياة أَلَما وشراً ، ولذلك كانت تحيةُ المؤمنين يوم القيامة السلامَ بشارة بالسلامة مما يشاهده الناس من الأهوال المنتظرة . وكذلك تحية أهل الجنة فيما بينهم تلذّذاً باسم ما هم فيه من السلامة من أهوال أهل النار ، وتقدم في قوله : { وتحيتهم فيها سلام } في سورة يونس ( 10 ) .

وإضافة التحية إلى ضمير المؤمنين من إضافة اسم المصدر إلى مفعوله ، أي تحية يُحَيَّون بها .

ولقاء الله : الحضور من حضرة قدسه للحساب في المحشر . وتقدم تفصيل الكلام عليها عند قوله تعالى : { واعلموا أنكم ملاقوه } في سورة البقرة ( 223 ) . وهذا اللقاء عام لجميع الناس كما قال تعالى : { فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه } [ التوبة : 77 ] فميّز الله المؤمنين يومئذٍ بالتحية كرامة لهم .

وجملة { وأعد لهم أجراً كريماً } حال من ضمير الجلالة ، أي يحييهم يوم يلقونه وقد أعد لهم أجراً كريماً . والمعنى : ومن رحمته بهم أن بدأهم بما فيه بشارة بالسلامة وقد أعدّ لهم أجراً كريماً إتماماً لرحمته بهم .

والأجر : الثواب . والكريم : النفيس في نوعه ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { إني ألقي إلي كتاب كريم } في سورة النمل ( 29 ) . والأجر الكريم : نعيم الجنة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{تَحِيَّتُهُمۡ يَوۡمَ يَلۡقَوۡنَهُۥ سَلَٰمٞۚ وَأَعَدَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَرِيمٗا} (44)

اختلف في الضمير الذي في " يلقونه " على من يعود ، فقيل على الله تعالى ، أي كان بالمؤمنين رحيما ، فهو يؤمنهم من عذاب الله يوم القيامة . وفي ذلك اليوم يلقونه . و " تحيتهم " أي تحية بعضهم لبعض . " سلام " أي سلامة . ولكم من عذاب الله . وقيل : هذه التحية من الله تعالى ، المعنى : فيسلمهم من الآفات ، أو يبشرهم بالأمن من المخافات " يوم يلقونه " أي يوم القيامة بعد دخول الجنة . قال معناه الزجاج ، واستشهد بقوله جل وعز : " وتحيتهم فيها سلام " {[12851]} [ يونس : 10 ] . وقيل : " يوم يلقونه " أي يوم : يلقون ملك الموت ، وقد ورد أنه لا يقبض روح مؤمن إلا سلم عليه . روي عن البراء بن عازب قال : " تحيتهم يوم يلقونه سلام " فيسلم ملك الموت على المؤمن عند قبض روحه ، لا يقبض روحه حتى يسلم عليه .


[12851]:راجع ج 8 ص 313.