التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ} (7)

لما ذكر أنه لو شاء الله لانتصر منهم عُلم منه أن ما أمر به المسلمين من قتال الكفار إنما أراد منه نصرَ الدين بخضد شوكة أعدائه الذين يصدون الناس عنه ، أتبعه بالترغيب في نصر الله والوعد بتكفل الله لهم بالنصر إن نصروه ، وبأنه خاذل الذين كفروا بسبب كراهيتهم ما شرعه من الدين .

فالجملة استئناف ابتدائي لهاته المناسبة . وافتتح الترغيب بندائهم بصلة الإيمان اهتماماً بالكلام وإيماء إلى أن الإيماء يقتضي منهم ذلك ، والمقصود تحريضهم على الجهاد في المستقبل بعد أن اجتنوا فائدته مشاهدة يوم بدر .

ومعنى نصرهم الله : نصرُ دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم لأن الله غني عن النصر في تنفيذ إرادته كما قال : { ولو يشاء الله لانتصر منهم } [ محمد : 4 ] . ولا حاجة إلى تقدير مضاف بين { تنصروا } واسم الجلالة تقديره : دين الله ، لأنه يقال : نصر فلان فلاناً ، إذا نصر ذويه وهو غير حَاضر . وجيء في الشرط بحرف { إنْ } الذي الأصل فيه عدم الجزم بوقوع الشرط للإشارة إلى مشقة الشرط وشدته ليُجعل المطلوبُ به كالذي يشك في وفائه به .

وتثبيت الأقدام : تمثيل لليقين وعدم الوهن بحالة من ثبتت قدمه في الأرض فلم يَزِل ، فإن الزلل وهَن يسقط صاحبه ، ولذلك يمثَّل الانهزام والخيبة والخطأ بزلل القدم قال تعالى : { فتزل قدَم بعد ثبوتها } [ النحل : 94 ] .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ} (7)

قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم " أي إن تنصروا دين الله ينصركم على الكفار . نظيره : " ولينصرن الله من ينصره " [ الحج : 40 ] وقد تقدم{[13910]} . وقال قطرب : إن تنصروا نبي الله ينصركم الله ، والمعنى واحد . " ويثبت أقدامكم " أي عند القتال . وقيل على الإسلام . وقيل على الصراط . وقيل : المراد تثبيت القلوب بالأمن ، فيكون تثبيت الأقدام عبارة عن النصر والمعونة في موطن الحرب . وقد مضى في " الأنفال " {[13911]} هذا المعنى . وقال هناك : " إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا " {[13912]} [ الأنفال : 12 ] فأثبت هناك واسطة ونفاها هنا ، كقوله تعالى : " قل يتوفاكم ملك الموت " {[13913]} [ السجدة : 11 ] ثم نفاها بقوله : " الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم " {[13914]} [ الروم : 40 ] . " الذي خلق الموت والحياة " {[13915]} [ الملك : 2 ] ومثله كثير ، فلا فاعل إلا الله وحده .


[13910]:راجع ج 12 ص 72.
[13911]:راجع ج 7 ص 377.
[13912]:راجع ج 7 ص 377.
[13913]:آية 11 سورة السجدة.
[13914]:آية 40 سورة الروم.
[13915]:آية 2 سورة الملك.