التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَوَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا ضُحٗى وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ} (98)

قوله : { أوْ أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسناً ضحى وهم يلعبون } قرأه نافع ، وابن كثير ، وابن عامر ، وأبو جعفر بسكون الواو على أنه عطف بحرف ( أو ) الذي هو لأحد الشيئين عطفاً على التعجيب ، أي : هو تعجيب من أحد الحالين . وقرأه الباقون بفتح الواو على أنه عطف بالواو مقدمة عليه همزةُ الاستفهام ، فهو عطف استفهام ثان بالواو المفيدة للجمع ، فيكون كلا الاستفهامين مدخولاً لفاء التعقيب ، على قول جمهور النحاة ، وأما على رأي الزمخشري فيتعين أن تكون الواو للتقسيم ، أي تقسيم الاستفهام إلى استفهامين ، وتقدم ذكر الرأيين عند قوله تعالى : { أفكلما جاءكم رسول } في سورة البقرة ( 87 ) .

و { بياتاً } تقدم معناه ووجه نصبه عند قوله تعالى : { وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسناً بياتاً } في أول هذه السورة ( 4 ) .

والضحَى بالضم مع القصر هو في الأصل اسم لضوء الشمس إذا أشرق وارتفع ، وفسره الفقهاء بأن ترتفع الشمس قيد رمح ، ويرادفه الضحوة والضّحْوُ .

والضحى يذكر ويؤنث ، وشاع التوقيت به عند العرب ومن قبلهم ، قال تعالى حكاية عن موسى : { قال مَوْعدكُمْ يوم الزينة وأن يُحشر الناس ضُحى } [ طه : 59 ] .

وتقييد التعجيب من أمْنهم مجيءَ البأس ، بوقتي البيات والضحى ، من بين سائر الأوقات ، وبحالي النوم واللعب ، من بين سائر الأحوال ، لأن الوقتين أجدر بأن يحذر حلول العذاب فيهما ، لأنهما وقتان للدعة ، فالبيات للنوم بعد الفراغ من الشغل .

والضحى للعب قبل استقبال الشغل ، فكان شأن أولي النهى المعرضين عن دعوة رسل الله أن لا يأمنوا عذابه ، بخاصة في هذين الوقتين والحالين .

وفي هذا التعجيب تعريض بالمشركين المكذبين للنبيء صلى الله عليه وسلم أن يحل بهم ما حلَّ بالأمم الماضية ، فكان ذكر وقت البيات ، ووقت اللعب ، أشد مناسبة بالمعنى التعريضي . تهديداً لهم بأن يصيبهم العذاب بأفظع أحواله ، إذ يكون حلوله بهم في ساعة دعتهم وساعة لهوهم نكاية بهم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَوَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا ضُحٗى وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ} (98)

" أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا " قرأه الحرميان وابن عامر بإسكان الواو للعطف ، على معنى الإباحة . مثل " ولا تطع منهم آثما أو كفورا{[7277]} " [ الإنسان : 24 ] . جالس الحسن أو ابن سيرين . والمعنى : أو أمنوا هذه الضروب من العقوبات . أي إن أمنتم ضربا منها لم تأمنوا الآخر . ويجوز أن يكون " أو " لأحد الشيئين ، كقولك : ضربت زيدا أو عمرا . وقرأ الباقون بفتحها بهمزة بعدها . جعلها واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام . نظيره " أو كلما عاهدوا عهدا{[7278]} " [ البقرة : 100 ] . ومعنى " ضحى وهم يلعبون " أي وهم فيما لا يجدي عليهم . يقال لكل من كان فيما يضره ولا يجدي عليه لاعب . ذكره النحاس . وفي الصحاح . اللعب معروف ، واللعب مثله . وقد لعب يلعب . وتلعب : لعب{[7279]} مرة بعد أخرى . ورجل تلعابة : كثير اللعب ، والتلعاب{[7280]} بالفتح المصدر . وجارية لعوب .


[7277]:راجع 19 ص 146
[7278]:راجع ج 2 ص 39.
[7279]:زيادة عن كتب اللغة.
[7280]:في ب: تلعابة.