التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنۡ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَٰطِينِ} (97)

الظاهر أن يكون المعطوف موالياً للمعطوف هو عليه ، فيكون قوله { وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين } متصلاً بقوله : { ادفع بالتي هي أحسن السيئة } [ المؤمنون : 96 ] فلما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يفوض جزاءهم إلى ربه أمره بالتعوذ من حيلولة الشياطين دون الدفع بالتي هي أحسن ، أي التعوذ من تحريك الشيطان داعية الغضب والانتقام في نفس النبي صلى الله عليه وسلم فيكون { الشياطين } مستعملاً في حقيقته . والمراد من همزات الشياطين : تصرفاتهم بتحريك القوى التي في نفس الإنسان ( أي في غير أمور التبليغ ) مثل تحريك القوة الغضبية كما تأول الغزالي في قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث " ولكن الله أعانني عليه فأسْلم " . ويكون أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بالتعوذ من همزات الشياطين مقتضياً تكفل الله تعالى بالاستجابة كما في قوله تعالى : { ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا } [ البقرة : 286 ] ، أو يكون أمره بالتعوذ من همزات الشياطين مراداً به الاستمرار على السلامة منهم . قال في « الشفاء » : الأمة مجتمعة ( أي مجمعة ) على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان لا في جسمه بأنواع الأذى ، ولا على خاطره بالوساوس .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنۡ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَٰطِينِ} (97)

53

واستعاذة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] من همزات الشياطين ودفعاتهم - وهو معصوم منها - زيادة كذلك في التوقي ، وزيادة في الالتجاء إلى الله ، وتعليم لأمته وهو قدوتها وأسوتها ، أن يتحصنوا بالله من همزات الشياطين في كل حين .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنۡ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَٰطِينِ} (97)

فيه مسألتان :

الأولى-قوله تعالى : " من همزات الشياطين " " الهمزات " هي جمع همزة . والهمز في اللغة النخس والدفع ، يقال : همزة ولمزه ونخسه دفعه . قال الليث : الهمز كلام من وراء القفا ، واللمز مواجهة . والشيطان يوسوس فيهمس في وسواسه في صدر ابن آدم ، وهو قوله : " أعوذ بك من همزات الشياطين " أي نزغات الشياطين الشاغلة عن ذكر الله تعالى . وفي الحديث : كان يتعوذ من همز الشيطان ولمزه وهمسه . قال أبو الهيثم : إذا أسر الكلام وأخفاه فذلك الهمس من الكلام . وسمي الأسد هموسا ؛ لأنه يمشي بخفه لا يسمع صوت وطئه . وقد تقدم في " طه " {[11711]} .

الثانية-أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالتعوذ من الشيطان في همزاته ، وهي سورات الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه ، كأنها هي التي كانت تصيب المؤمنين مع الكفار فتقع المحادة فلذلك اتصلت بهذه الآية . فالنزغات وسورات الغضب الواردة من الشيطان هي المتعوذ منها في الآية ، وقد تقدم في آخر " الأعراف " {[11712]} بيانه مستوفى ، وفي أول الكتاب أيضا{[11713]} . وروي عن علي بن حرب بن محمد الطائي حدثنا سفيان عن أيوب عن محمد بن حبان أن خالدا كان يؤرق من الليل ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأمره أن يتعوذ بكلمات الله التامة من غضب الله وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون . وفي كتاب أبي داود قال عمر : وهمزه الموتة ، قال ابن ماجه : الموتة يعني الجنون . والتعوذ أيضا من الجنون وكيد . وفي قراءة أبي " رب عائذا بك من همزات الشياطين ، وعائذا بك أن يحضرون " ، أي يكونوا معي في أموري ، فإنهم إذ ا حضروا الإنسان كانوا معدين للهمز ، وإذا لم يكن حضور فلا همز . وفي صحيح مسلم عن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان ، فإذا فرغ فليلعق أصابعه فإنه لا يدري في أي طعامه البركة ) .


[11711]:راجع ج 11 ص 247.
[11712]:راجع 7 ص 347.
[11713]:راجع ج 1 ص 86.