{ كذلك نسلُكه } ندخله . { في قلوب المجرمين } والسلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط ، والرمح في المطعون والضمير للاستهزاء . وفيه دليل على أن الله تعالى يوجد الباطل في قلوبهم . وقيل ل { الذكر } فإن الضمير الآخر في قوله : { لا يؤمنون به } له وهو خال من هذا الضمير ، والمعنى مثل ذلك السلك نسلك الذكر في قلوب المجرمين مكذبا غير مؤمن به ، أو بيان للجملة المتضمنه له ، وهذا الاحتجاج ضعيف إذ لا يلزم من تعاقب الضمائر توافقها في المرجوع إليه ولا يتعين أن تكون الجملة حالا من الضمير لجواز أن تكون حالا من المجرمين ، ولا ينافي كونها مفسرة للمعنى الأول بل يقويه . { وقد خلت سنّة الأولين } أي سنة الله فيهم بأن خذلهم وسلك الكفر في قلوبهم ، أو بإهلاك من كذب الرسل منهم فيكون وعيدا لأهل مكة .
{ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } الضمير للذكر أيضاً ، والجملة في موضع الحال من مفعول { نَسْلُكُهُ } [ الحجر : 12 ] أي غير مؤمن به ، وهي إما مقدرة وإما مقارنة على معنى أن الالقاء وقع بعده الكفر من غير توقف فهما في زمان واحد عرفا ، ويجوز أن تكون بياناً للجملة السابقة فلا محل لها من الإعراب ، قال في الكشف : وهو الأوجه لأن في طريقة الإبهام والتفسير لا سيما في هذا المقام ما يجل موقع الكلام . وفي إرشاد العقل السليم أنه قد جعل ضمير { نَسْلُكُهُ } [ الحجر : 12 ] للاستهزاء المفهوم من { يَسْتَهْزِئُونَ } [ الحجر : 11 ] فتتعين البيانية إلا أن يجعل ضمير { بِهِ } له أيضاً على أن الباء للملابسة أي يسلك الاستهزاء في قلوبهم حال كونهم غير مؤمنين بملابسة الاستهزاء ، وقد ذهب إلى جواز ارجاع الضميرين إلى الاستهزاء ابن عطية إلا أنه جعل الباء للسببية ، وكذا الفاضل الجلبي ، ولا يخفى أن بعد ذلك يغنى عن رده . وذهب البيضاوي إلى كون الضمير الأول للاستهزاء وضمير { بِهِ } للذكر وتفريق الضمائر المتعاقبة على الأشياء المختلفة إذا دل الدليل عليه ليس ببدع في القرآن ، وجوز على هذا كون الجملة حالاً من { المجرمين } [ الحجر : 12 ] ولا يتعين كونها حالاً من الضمير ليتعين رجوعه للذكر ، وذكر أن عوده على الاستهزاء لا ينافي كونها مفسرة بل يقوبه إذ عدم الإيمان بالذكر أنسب بتمكن الاستهزاء في قلوبهم ، وجعل الآية دليلاً على أنه تعالى يوجد الباطل في قلوبهم ففيها رد على المعتزلة في قولهم : إنه قبيح فلا يصدر منه سبحانه ، وكأنه رحمه الله تعالى ظن أن ما فعله الزمخشري من جعل الضميرين للذكر كان رعاية لمذهبه ففعل ما فعل ، ولا يخفى أنه لم يصب المحز وغفل عن قولهم : الدليل إذا طرقه الاحتمال بطل به الاستدلال .
وفي الكشف بعد كلام ان رجع الضمير إلى الاستهزاء أو الكفر مع ما فيه من تنافر النظم لا ينكره أهل الاعتزال إلا كإنكار سلك الذكر بصفة التكذيب والتأويل ، وكأنهم غفلوا عما ذكره جار الله في الشعراء حيث أجاب عن سؤال إسناد سلك الذكر بتلك الصفة إلى نفسه جل وعلا بأن المراد تمكنه مكذوباً في قلوبهم أشد التمكن كشيء جبلوا عليه ؛ ولخص المعنى ههنا بأنه تعالى يلقيه في قلوبهم مكذباً لا أن التكذيب فعله سبحانه .
نعم أخرج ابن أبي حاتم عن أنس . والحسن تفسير ضمير { نَسْلُكُهُ } [ الحجر : 12 ] إلى الشرك ، وإخراج هو . وابن جرير عن ابن زيد أنه قال في الآية : هم كما قال الله تعالى هو أضلهم ومنعهم الإيمان لكن هذا أمر وما نحن فيه آخر ، واعترض بعضهم رجوع الضمير إلى { الذكر } [ الحجر : 9 ] بأن نون العظمة لا تناسب ذلك فإنها إنما تحسن إذا كان فعل المعظم نفسه فعلاً يظهر له أثر قوى وليس كذلك هنا فإنه تدافع وتنازع فيه .
وأجاب بأن المقام إذا كان للتوبيخ يحسن ذلك ، ولا يلزم أن تكون العظمة باعتبار القهر والغلبة فقد تكون باتعبار اللطف والإحسان . وتعقب ذلك الشهاب بقوله : لا يخفى أنه باعتبار القهر والغلبة يقتضي أن يؤثر ذلك في قلوبهم وليس كذلك لعدم إيمانهم به ، وكذا باعتبار اللطف والإحسان يقتضي أن يكون سلكه في قلوبهم إنعاماً عليهم فأي إنعام عليهم بما يقتضي الغضب فلا وجه لما ذكر ، وأنت تعلم أنه إذا كان المراد سلك ذلك وتمكينه في قلوبهم مكذباً به غير مقبول فكون الإسناد باعتبار القهر والغلبة مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان ، والأثر الظاهر القوي لذلك بقاؤهم على الكفر والإصرار على الضلال ولو جاءتهم كل آية ، ولا يخفى ما في { كذلك } [ الحجر : 12 ] مما يناسب نون العظمة أيضاً وقد مر التنبيه عليه غير مرة . { وَقَدْ خَلَتِ } مضت { سَنَةٍ } طريقة { الاولين } والمراد عادة الله تعالى فيهم على أن الإضافة لأدنى ملابسة لا على الإضافة بمعنى في ، والمراد بتلك العادة على تقدير أن يكون ضمير { نَسْلُكُهُ } [ الحجر : 12 ] للاستهزاء الخذلان وسلك الكفر في قلوبهم أي قد مضت عادته سبحانه وتعالى في الأولين ممن بعث إليهم الرسل عليهم السلام أن يخذلهم ويسلك الكفر والاستهزاء في قلوبهم ، وعلى تقدير أن يكون للذكر الإهلاك ، وعلى هذا قول الزمخشري أي مضت طريقتهم التي سنها الله تعالى في اهلاكهم حين كذبوا برسلهم والمنزل عليهم ، وذكر أنه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم ، وإلى الأول ذهب الزجاج ، وادعى الإمام أنه الاليق بظاهر اللفظ ؛ وبين ذلك الطيبي قائلاً : ان التعريف في { المجرمين } [ الحجر : 12 ] للعهد ، والمراد بهم المكذبون من قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم المذكورون بعد أي مثل ذلك السلك الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين المكذبين للرسل الماضين نسلكه في قلوب هؤلاء المجرمين فلك أسوة بالرسل الماضية مع أممهم المكذبة ، ولست بأوحدى في ذلك وقد خلت سنة الأولين ، والمقام يقتضي التقرير والتأكيد فيكون في هذا مزيد تسلية للرسول عليه السلاة والسلام ، والوعيد بعيد لأنه لم يسبق لإهلاك الأمم ذكر ، وإيثار ذلك لأنه أقرب إلى مذهب الاعتزال اه .
وفيه غفلة عن نغزى الزمخشري ، وقد تفطن لذلك صاحب الكشف ولله تعالى دره حيث قال : أراد أن موقع { قَدْ خَلَتْ } إلى آخره موقع الغاية في الشعراء ( 201 ) أعني قوله تعالى هنالك { حتى يَرَوُاْ العذاب الاليم } فانهم لما شبهوا بهم قيل : لا يؤمنون وقد هلك من قبلهم ولم يؤمنوا فكذلك هؤلاء ، ومنه يظهر أن الكلام على هذا الوجه شديد الملاءمة ، وأما أن الوعيد بعيد لعدم سبق ذكر لإهلاك الأمم ففيه أن لفظ السنة مضافاً إلى ما أضيف إليه ينبىء عن ذلك أشد الأنباء ، ثم إنه ليس المقصود منه الوعيد على ما قررناه ، وقد صرح أيضاً بعض الأجلة أن الجملة استئنافية جيء بها تكملة للتسلية وتصريحاً بالوعيد والتهديد ، ثم ما ذهب إليه الزمخشري منالمراد بالسنة مروى عن قتادة . فقد أخرج ابن جرير . وابن المنذر . وغيرهما عنه أنه قال في الآية : قد خلت وقائع الله تعالى فيمن خلا من الأمم . وعن ابن عباس أن المراد سنتهم في التكذيب ، ولعل الإضافة على هذا على ظاهرها .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك من الآيات ما فيه تعزية وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من سفهاء قومه ، فأخبره بأن ما أصابه منهم يشبه ما فعله المكذبون السابقون مع رسلهم ، فقال - تعالى - { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأولين وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين } .
قال الجمل : " لما أساءوا في الأدب ، وخاطبوه صلى الله عليه وسلم خطاب السفاهة ، حيث قالوا له : { إنك لمجنون } ، سلاّه الله فقال له : إن عادة الجهال مع جميع الأنبياء كانت هكذا ، وكانوا يصبرون على أذى الجهال . ويستمرون على الدعوة والإِنذار ، فاقتد أنت بهم في ذلك . . . " .
والشيع جمع شيعة وهى الطائفة من الناس المتفقة على طريقة ومذهب واحد ، من شاعه إذا تبعه ، وأصله - كما يقول القرطبى - مأخوذ من الشياع وهو الحطب الصغار توقد به الكبار .
والمعنى : ولقد أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - رسلاً كثيرين ، في طوائف الأمم الأولين ، فدعا الرسل أقوامهم إلى ما دعوت إليه أنت قومك من وجوب إخلاص العبادة لله - تعالى - ، فما كان من أولئك المدعوين السابقين إلا إن قابلت كل فرقة منهم رسولها بالسخرية والاستهزاء ، كما قابلك سفهاء قومك .
وذلك لأن المكذبين في كل زمان ومكان يتشابهون في الطباع الذميمة ، وفى الأخلاق القبيحة : كمال قال - تعالى - { كَذَلِكَ مَآ أَتَى الذين مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ } والجار والمجرور { من قبلك } متعلق بأرسلنا ، أو بمحذوف وقع نعتا لمفعوله المحذوف . أى : ولقد أرسلنا رسلاً كائنة من قبلك .
وإضافة الشيع إلى الأولين من إضافة الموصوف إلى صفته عند بعض النحاة ، أو من حذف الموصوف عند البعض الآخر ، أى شيع الأمم الأولين .
وعبر بقوله - سبحانه - { إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } للإِشعار بأن الاستهزاء بالرسل كان طبيعة فيهم - كما يومئ إليه لفظ كان ، وأنه متكرر منهم - كما يفيده التعبير بالفعل المضارع - والكاف في قوله { كذلك نسلكه . . } للتشبيه ، واسم الإِشارة { ذلك } يعود إلى السلك المأخوذ من نسلكه .
والسلك مصدر سلك - من باب نصر - وهو إدخال الشئ في الشئ ، كإدخال الخيط في المخيط .
والضمير المنصوب في { نسلكه } يعود إلى القرآن الكريم الذي سبق الحديث عنه .
والمراد بالمجرمين في قوله { فِي قُلُوبِ المجرمين } مشركو قريش ومن لف لفهم .
والمعنى : كما سلكنا كتب الرسل السابقين في قلوب أولئك المستهزئين نسلك القرآن في قلوب هؤلاء المجرمين من قومك يا محمد ، بأن نجعلهم يسمعونه ويفهمونه ويدركون خصائصه دون أن يستقر في قلوبهم استقرار تصديق وإذعان لاستيلاء الجحود والعناد والحسد عليهم .
وقوله { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } بيان للسلك المشبه به ، أو حال من المجرمين .
أى : أدخلنا القرآن في قلوبهم ففهموه ، ولكنهم لا يؤمنون به عناداً وجحوداً .
وعلى هذا التفسير يكون الضمير في { نسلكه } وفى { به } يعودان إلى القرآن الكريم ، الذي سبق الحديث عنه في قوله - تعالى - { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } .
ومن المفسرين الذين ذكروا هذا الوجه ولم يذكروا سواه صاحب الكشاف ، فقد قال : " والضمير في قوله { نسلكه } ، للذكر : أى : مثل ذلك السلك ونحوه نسلك الذكر { فِي قُلُوبِ المجرمين } على معنى أن يلقيه في قلوبهم مكذباً مستهزءاً به غير مقبول ، كما لو أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها : فقلت : كذلك أنزلها باللئام : تعنى مثل هذا الإِنزال أنزلها بهم مردودة غير مقضية .
ومحل قوله { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } النصب على الحال ، أى : غير مؤمن به . أو هو بيان لقوله { كذلك نسلكه . . } .
وقد زكى هذا الوجه صاحب الانتصاف فقال : والمراد - والله أعلم - إقامة الحجة على المكذبين ، بأن الله - تعالى - سلك القرآن في قلوبهم ، وأدخله في سويدائها ، كما سلك ذلك في قلوب المؤمنين المصدقين ، فكذب به هؤلاء ، وصدق به هؤلاء ، كل على علم وفهم { لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ . . . } ولئلا يكون للكفار حجة بأنهم ما فهموا وجوه الإِعجاز كما فهمها من آمن . . . " .
ويرى بعض المفسرين - كالإِمام ابن جرير - أن الضمير في نسلكه يعود إلى الكفر الذي سلكه الله في قلوب المكذبين السابقين ، أما الضمير في { به } فيعود إلى القرآن الكريم ، فقد قال : قوله - تعالى - { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ . . . }
يعنى : كما سلكنا الكفر في قلوب شيع الأولين بالاستهزاء بالرسل ، كذلك نفعل ذلك في قلوب مشركى قومك الذين أجرموا بسبب الكفر بالله .
{ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } يقول : لا يصدقون بالذكر الذي أنزل إليك .
ومع أن هذا التفسير الذي ارتضاه شيخ المفسرين ابن جرير له وجاهته ، إلا أننا نميل إلى التفسير الأول الذي ارتضاه صاحب الكشاف ، لأنه هو المتبادر من معنى الآية ، ومن المفسرين الذين رجحوا ذلك الفخر الرازى ، فقد قال - رحمه الله - خلال كلام طويل ما ملخصه : " التأويل الصحيح أن الضمير في قوله - تعالى - { كذلك نسلكه } عائد إلى الذكر ، الذي هو القرآن ، فإنه - تعالى - قال قبل هذه الآية { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر } وقال بعده { كذلك نسلكه } أى : هكذا نسلك القرآن في قلوب المجرمين .
والمراد من هذا السلك ، هو أنه - تعالى - يسمعهم هذا القرآن ، ويخلق في قلوبهم حفظه والعلم بمعانيه . إلا أنهم مع هذه الأحوال لا يؤمنون به عناداً وجهلاً . .
ويدل على صحة هذا التأويل ، أن الضمير في قوله { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } عائد على القرآن بالإِجماع ، فوجب أن يكون الضمير في { نسلكه } عائداً إليه - أيضاً - لأنهما ضميران متعاقبان فيجب عودهما إلى شيء واحد . . . .
وقوله - سبحانه - { وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين } تهديد لهؤلاء المكذبين من كفار مكة ومن سار على شاكلتهم ، وتكملة للتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
أى : وقد مضت سنة الله التي لا تتخلف وطريقته المألوفة بأن ينزل عذابه بالمجرمين ، كما أنزله بالأمم الماضية ، بسبب تكذيبها لرسلها ، واستهزائها بهم فلا تحزن - أيها الرسول الكريم - لما أصابك من سفهاء قومك فسننصرك عليهم .
وأضاف - سبحانه - السنة إلى الأولين ، باعتبار تعلقها بهم ، وإنما هي سنة الله فيهم لأنها المقصود هنا ، والإِضافة لأدنى ملابسة .