نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{مَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِي ٱلۡمِلَّةِ ٱلۡأٓخِرَةِ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ} (7)

ولما كان كأنه قيل : فما حال ما يقوله ؟ قالوا جواباً واقفاً مع التقليد والعادة التي وجدوا عليها أسلافهم : { ما سمعنا بهذا } أي الذي تذكره من الوحدانية { في الملة الآخرة } وتقييدهم لها يدل على أنهم عالمون به في الملة الأولى ، وأنهم عارفون بأن إبراهيم عليه السلام ومن وجد من أولاده الذين هم آباؤهم إلى عمرو بن لحي كانوا بعيدين من الشرك ملازمين للتوحيد وأنه لا شبهة لهم إلا كونه سبحانه لم يغير عليهم في هذه المدد الطوال ، وكانوا أيضاً يعرفون البعث ولكنهم تناسوه ، ذكر ابن الفرات في تأريخه يوم حليمة من أيام العرب وقال : إن حجر بن عمرو آكل المرار سار إلى بني أسد فقتلهم وسيرهم إلى تهامة فقال عبيد بن الأبرص من أبيات : ومنعتهم نجداً فقد حلوا على وحل تهامه *** أنت المليك عليهم وهم العبيد إلى القيامه

وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن أول من سيب السوايب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر وأني رأيته يجر أمعاءه في النار " وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أول من غير دين إبراهيم عليه السلام عمرو بن لحي بن قميئة " وروى البخاري في فتح مكة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج من البيت صورة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في أيديهما الأزلام فقال : " قاتلهم الله ! لقد علموا ما استقسما بها قط " فبطل ما يقال من أن أهل الفترة جهلوا جهلاً أسقط عنهم اللوم ، ويؤيده ما في الصحيح عن أنس رضي الله عنه أن رجلاً قال : يا رسول الله ! أين أبي ؟ قال : " في النار ، فلما قفى دعاه فقال : إن أبي وأباك في النار " أخرجه مسلم في آخر كتاب الإيمان ، وقد مر في سبحان في قوله تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } ما ينفع هنا ، والقاطع للنزاع في هذا قوله : { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدو الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة }[ النحل : 36 ] فما تركت هذه الآية أحداً حتى شملته وحكمت عليه بالجنة أو النار .

ولما كان قوله صلى الله عليه وسلم وحده جديراً بأن يزلزلهم فكيف إذا انضم إليه علمهم بأن أسلافهم لا سيما إسماعيل وأبوه إبراهيم عليهما السلام كانوا عليه ، أكدوا قولهم : { إن } أي ما { هذا } أي الذي يقوله { إلا اختلاق * } أي تعمد الكذب مع أنه لا ملازمة بين عدم سماعهم فيها وبين كونه اختلاقاً ، بل هو قول يعرف معانيه بأدنى تأمل ، روى الترمذي - وقال : حسن صحيح - والنسائي وابن حبان في صحيحه وأحمد وإسحاق وأبو يعلى والطبري وابن أبي حاتم وغيرهم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : مرض أبو طالب فجاءته قريش ، وجاءه النبي صلى الله عليه وسلم وعند أبي طالب مجلس رجل فقام أبو جهل كي يمنعه ، قال : وشكوه إلى أبي طالب - زاد النسائي في الكبير وأبو يعلى : وقالوا : يقع في آلهتنا فقال : يا ابن أخي ! ما تريد من قومك ؟ قال : " أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم العجم الجزية ، قال : كلمة واحدة ، قال : كلمة واحدة ، فقال : وما هي ؟ فقال : يا عم ، قولوا " لا إله إلا الله " فقالوا : أجعل الآلهة إلهاً واحداً ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق ، قال : فنزل فيهم القرآن " { ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفورا في عزة وشقاق } إلى قوله : { اختلاق } وفي التفاسير أنهم قالوا : كيف يسع الخلق كلهم إله واحد .