الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{يَـٰٓإِبۡرَٰهِيمُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَآۖ إِنَّهُۥ قَدۡ جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَإِنَّهُمۡ ءَاتِيهِمۡ عَذَابٌ غَيۡرُ مَرۡدُودٖ} (76)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

قال جبريل لإبراهيم: {يا إبراهيم أعرض عن هذا} الجدال حين قال: أتهلكهم إن كان فيهم كذا وكذا، ثم قال جبريل، عليه السلام: {إنه قد جاء أمر ربك}، يعني قول ربك في نزول العذاب بهم، {وإنهم آتاهم عذاب غير مردود} يعني غير مدفوع عنهم، يعني الخسف والحصب بالحجارة...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره مخبرا عن قول رسله لإبراهيم:"يا إبْرَاهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا"، وذلك قيلهم له حين جادلهم في قوم لوط، فقالوا: دع عنك الجدال في أمرهم والخصومة فيه، فإنّهُ "قَدْ جاءَ أمْرُ رَبّكَ "بعذابهم، وحُقّ عليهم كلمة العذاب، ومضى فيهم بهلاكهم القضاء. "وإنّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غيرُ مَرْدُودٍ "يقول: وإن قوم لوط نازل بهم عذاب من الله غير مدفوع...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

والاعراض: الذهاب عن الشيء في جهة العرض، ويكون انصرافا عنه بالوجه والتفكر...

"غير مردود" أي غير مدفوع، والرد: إذهاب الشيء إلى حيث جاء منه... والفرق بين الدفع والرد، أن الدفع قد يكون إلى جهة القدام والخلف، والرد لا يكون إلا إلى جهة الخلف...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

أي قالت له الملائكة {أَعْرِضْ عَنْ هذآ} الجدال وإن كانت الرحمة ديدنك، فلا فائدة فيه {إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ} وهو قضاؤه وحكمه الذي لا يصدر إلا عن صواب وحكمة، والعذاب نازل بالقوم لا محالة، لا مردّ له بجدال ولا دعاء ولا غير ذلك...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

وأمره بالإعراض عن المجادلة يقتضي أنها إنما كانت في الكفرة حرصاً عليهم، والمعنى: قلنا يا إبراهيم أعرض عن المجادلة في هؤلاء القوم والمراجعة فيهم، فقد نفذ فيهم القضاء...

وهذه الآية مقتضية أن الدعاء إنما هو أن يوفق الله الداعي إلى طلب المقدور، فأما الدعاء في طلب غير المقدور فغير مجد ولا نافع...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كان أكثر المجادلة لما عنده من الشفقة على عباد الله لما له من هذه الصفات الجليلة، أعلمه الله أن الأمر قد ختم بقوله حكاية أن الرسل قالت له بعد طول المجادلة منادين بالأداة التي هي أم الباب إعلاماً بأن ما بعدها عظيم الشأن عالي المنزلة: {يا إبراهيم أعرض} أي بكليتك {عن هذا} أي السؤال في نجاتهم؛ ثم علل ذلك بقوله مؤكداً لأنه بمجادلته في حيز من ينكر بتّ الأمر: {إنه قد} افتتحه بحرف التوقع لأنه موضعه {جآء أمر ربك} أي الذي عودك بإحسانه الجم، فلولا أنه حتم الأمر بعذابهم لأمهلهم لأجلك، ولذا عطف على العلة قوله مؤكداً إعلاماً بأنه أمر قد انبرم ومضى: {وإنهم آتيهم} أي إتياناً ثابتاً {عذاب غير مردود} أي بوجه من الوجوه من أحد كائناً من كان... فلما علم مراد الله تعالى فيهم، قدمه على مراده ولم ينطق بعده ببنت شفة...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

أي أعرض عن الجدال في أمر قوم لوط والاسترحام لهم {إنه قد جاء أمر ربك} أي أن الحال والشأن فيهم قد قضي بمجيء أمر ربك الذي قدره لهم {وإنهم آتيهم عذاب غير مردود} بجدال ولا شفاعة فهو واقع ما له من دافع، فهل يعتبر بهذا من يتخذون الله أندادا من أوليائه أو أوليائهم يزعمون أنهم يتصرفون في الكون كما يشاءون، وأن قوله تعالى في أهل الجنة {لهم ما يشاءون عند ربهم} [الزمر: 34] هو لهؤلاء الأولياء في الدنيا فلا يرد لهم طلبا ولا شفاعة ولا يريد ما لا يريدونه! يكذبون على الله ويحرفون كتابه وهم يدعون أنهم مسلمون مؤمنون بأن أفضل الخلق بعد محمد جده إبراهيم الخليل عليهما وآلهما الصلاة والسلام...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

ناداه ربه باسمه تقريبا له، أعرض عن هذا الجدل فإنه لن يغير شيئا؛ لأنه قد مضت إرادة الله تعالى وأمره بالإهلاك، والتعبير بكلمة {ربك} في هذا المقام للإشارة إلى أنه مقتضى الربوبية في أن يؤخذ الظالم بظلمه لأنه لا يستوي المسيء والبريء، كما لا يستوي الأعمى والبصير. وأكد سبحانه أنه العذاب نازل بهم لا محالة {وإنهم آتيهم عذاب غير مردود} وقد أكد سبحانه نزول العذاب بعدة مؤكدات: أولها: وصفه بأنه غير مردود. ثانيها: بالجملة الاسمية. ثالثها: بإن الدالة على التوكيد...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

لم يكن إبراهيم يعرف حدود المسألة ووصولها إلى الحسم الذي لا مردّ له، لأن القوم لم يتركوا أيّ مجال للرحمة، فقد استنفد لوط معهم كل الوسائل دون جدوى، فازدادوا تمرّداً وطغياناً، ولذلك أعلن الله له على لسان ملائكته المنزلين: {يا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَآ} ولا ترهق نفسك بالتفكير أو التدخل فيه، {إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ} الذي لا مردّ له، {وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} فلا مدفع له، ولا مجال معه، لجدال مجادلٍ، أو شفاعة شافع. وسكت إبراهيم، لأنه لا يريد إلا ما يريده الله، فما دام الله قد أراد عذابهم، فليكن ذلك عن رضى وقناعة وإيمان...

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓإِبۡرَٰهِيمُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَآۖ إِنَّهُۥ قَدۡ جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَإِنَّهُمۡ ءَاتِيهِمۡ عَذَابٌ غَيۡرُ مَرۡدُودٖ} (76)

ولما كان{[39733]} أكثر المجادلة لما عنده من الشفقة على عباد الله لما له من هذه الصفات الجليلة ، أعلمه الله أن الأمر قد ختم بقوله حكاية أن الرسل قالت له بعد طول{[39734]} المجادلة منادين بالأداة التي هي أم الباب إعلاماً بأن ما بعدها عظيم الشأن عالي{[39735]} المنزلة : { يا إبراهيم أعرض } أي بكليتك { عن هذا } أي السؤال في نجاتهم ؛ ثم علل ذلك بقوله{[39736]} مؤكداً لأنه بمجادلته في حيز من {[39737]}ينكر بتّ{[39738]} الأمر : { إنه قد } افتتحه{[39739]} بحرف التوقع لأنه موضعه { جآء أمر ربك } أي الذي عودك بإحسانه الجم ، فلولا أنه حتم الأمر{[39740]} بعذابهم لأمهلهم لأجلك ، ولذا{[39741]} عطف على العلة قوله مؤكداً إعلاماً بأنه أمر{[39742]} قد انبرم ومضى : { وإنهم آتيهم } أي إتياناً ثابتاً { عذاب غير مردود } أي بوجه من الوجوه من أحد كائناً من كان ؛ والإعراض : الانصراف ، وحقيقته الذهاب عن الشيء في جهة العرض ؛ والرد : إذهاب الشيء إلى ما جاء منه كالرجع ؛ والدفع أعم لأنه قد يكون إلى جهة القدام ؛ فلما علم مراد الله تعالى فيهم ، قدمه على مراده ولم ينطق بعده ببنت شفة .

ذكر هذه القصة من التوراة : قال في السفر الأول{[39743]} : واستعلن الله لإبراهيم في مرج - وفي نسخة : بين بلوط ممرى الأموراني - وكان جالساً على باب خيمته إذ اشتد النهار ، فرفع عينيه فنظر فإذا هو بثلاثة رجال وقوف على رأسه ، فلما رآهم أحضر إليهم من باب الخيمة وسجد على الأرضِ وقال : يا رب - وفي نسخة : يا ولي الله - إن كان لي عندك مودة فلا تبعد عن عبدك حتى آتي بماء أغسل به أرجلكم ، واتكئوا تحت الشجرة وأصيبوا شيئاً من الطعام تقرون به أنفسكم ، ثم حينئذٍ تجوزون لأنكم مررتم{[39744]} بعبدكم بغتة فقالوا له : اصنع كما قلت ، فاستعجل إبراهيم فأحضر إلى الخيمة إلى سارة وقال : عجلي{[39745]} بثلاثة آصع من درمك{[39746]} - وفي نسخة : دقيق سميد - فاعجنيه واخبزي منه مليلاً{[39747]} ، وسعى إلى قطيع البقر فأخذ عجلاً سميناً شاباً فدفعه إلى الغلام وأمر بتعجيل صنعته وأخذ سمناً ولبناً والعجل الذي صنع له أيضاً فقربه إليهم ، وكان هو واقفاً بين أيديهم تحت الشجرة وقالوا له : أين سارة امرأتك ؟ فقال : في الخيمة ، فقال له : إني أرجع إليك في مثل هذا الحين من قابل وهي في الحياة ولها منك ابن ، فسمعت سارة وهي على باب الخيمة مستترة وكان هو خلفها ، وكان إبراهيم وسارة قد شاخا وقدم{[39748]} سنهما وانقطع عن سارة سبيل النساء ، فضحكت سارة في قلبها وقالت : أمن بعد ما بليت أرجع شابة وسيدي قد شاخ ؟ فقال الله لإبراهيم : لم ضحكت سارة وقالت : أنى لي بالولد وقد شخت ؟ أيعسر هذا على الله ؟ إني أرجع إليك في مثل{[39749]} هذا الحين من قابل وهي حية ولها ابن ، فجحدت سارة وقالت : كلا ما ضحكت ، لأنها فزعت ، فقال : كلا{[39750]} ! ولكنك قد ضحكت ، ثم قام الرجال وتعمدوا طريق سدوم وعامورا ، وانطلق معهم إبراهيم ليشيعهم . وقال الله : {[39751]}أأكتم{[39752]} عبدي إبراهيم شيئاً مما أصنع ؟ وإبراهيم يكون رئيساً لشعب{[39753]} عظيم كبير ، وتتبارك به شعوب الأرض ، لأني عالم أنه يوصي بنيه وأهل بيته من بعده أن يحفظوا طرق الرب ليعملوا{[39754]} بالبر والعدل ، لأن الرب يكمل لإبراهيم جميع ما وعده به .

فقال{[39755]} الرب لإبراهيم{[39756]} : لقد وصل إليّ حديث سدوم وعاموراً وقد كثرت خطاياهم جداً ، ثم ولى القوم ومضوا إلى سدوم ، وكان إبراهيم بعد واقفاً قدام الرب ، فدنا إبراهيم وقال : يا رب ! تهلك الأبرار مع الفجار بغضب واحد ؟ إن كان في القرية خمسون باراً أتهلكهم بغضب واحد ؟ حاشاك{[39757]} يا رب {[39758]}أن تصنع{[39759]} هذا الصنيع وتهلك البريء مع السقيم{[39760]} ، ويكون البريء بحال السقيم ، حاشا لك يا حاكم الأرض كلها ! لا يكون هذا من صنيعك ! فقال الرب : إن وجدت بسدوم خمسين باراً في القرية عفوت عن جميع البلد من أجلهم ، فأجاب إبراهيم وقال : إني قد بدأت بالكلام بين يدي الرب ، وإنما أنا تراب ورماد ، فإن نقص من الخمسين باراً خمسة تخرب القرية{[39761]} كلها من أجل الخمسة{[39762]} ؟ فقال : لا أخربها إن وجدت بها{[39763]} خمسة {[39764]}وأربعين باراً ، فعاد إبراهيم وقال له : فإن وجد فيها أربعون{[39765]} ؟ فقال : لا أخربها إن وجدت فيها أربعين{[39766]} ، فقال : لا يمكن الرب كلامي فأتكلم ، فإن كان هناك{[39767]} ثلاثون ؟ فقال : لا أخربها إن وجدت فيها ثلاثين ، فقال : إني قد أمعنت{[39768]} في الكلام بين يدي الرب ، فإن وجد بها عشرون ؟ فقال : لا أخربها من أجل العشرين ، فقال لانشقن{[39769]} على الرب ، فأتكلم هذه المرة يارب فقط{[39770]} ، فإن وجد بها عشرة رهط{[39771]} ؟ فقال : لا أفسدها من أجل العشرة ؛ فارتفع استعلان الرب عن إبراهيم لما فرغ إبراهيم من كلامه ورجع إبراهيم إلى موضعه - انتهى . وقد مضى أمر حبل سارة وولادها في البقرة .


[39733]:زيد من ظ.
[39734]:في ظ: طلوع.
[39735]:في ظ: على.
[39736]:زيد بعده في ظ: لا.
[39737]:في الأصل: منكرت، وفي ظ ومد: ينكر تب.
[39738]:في الأصل: منكرت، وفي ظ ومد: ينكر تب.
[39739]:في ظ: افتتح.
[39740]:سقط من مد.
[39741]:في مد: كذا.
[39742]:سقط من ظ.
[39743]:راجع الأصحاح الثامن عشر.
[39744]:من ظ ومد، وفي الأصل: مرر.
[39745]:من ظ ومد، وفي الأصل: عجل.
[39746]:في ظ: دربكه.
[39747]:في ظ: ميلا.
[39748]:في ظ: قدا، وفي مد: قدتم ـ كذا.
[39749]:زيد من ظ.
[39750]:سقط من ظ.
[39751]:في ظ: لأكتم، وفي مد: لا أكتم.
[39752]:في ظ: لأكتم، وفي مد: لا أكتم.
[39753]:في ظ: لشعيب.
[39754]:من مد، وفي الأصل وظ: ليعلموا.
[39755]:في ظ: قال.
[39756]:زيد من مد.
[39757]:في ظ: حاشاه.
[39758]:في مد: أتصنع.
[39759]:في مد: أتصنع.
[39760]:في ظ: المستقيم.
[39761]:في ظ: الأرض.
[39762]:في ظ: القرية.
[39763]:في ظ: فيها.
[39764]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[39765]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[39766]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[39767]:في ظ ومد: هنالك.
[39768]:في ظ: أصفعت.
[39769]:من مد، وفي الأصل: لا شقن، وفي ظ: لا يشقن.
[39770]:سقط من ظ.
[39771]:في مد: ربط.