جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: وهدينا أيضا من ذرّية نوح إسماعيل، وهو إسماعيل بن إبراهيم، واليسع، ويُونُسَ هو يونس بن متى، ولُوطا "وكلاّ فَضّلْنا "من ذرية نوح ونوحا؛ لهم بيّنا الحقّ ووفقناهم له. وفضلنا جميعهم "عَلى العَالَمِينَ": على عالم أزمانهم.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{وكلا فضلنا على العالمين} وهذا، والله أعلم، ليس على تخصيص كل فريق بما ذكر من الذكر، ولكن على الجمع أنهم محسنون صالحون مفضلون على العالمين. ثم يحتمل التفضيل لهم بالنبوة أنهم فضلوا على العالمين بالنبوة... ثم يحتمل أنه سماهم محسنين باختيارهم الحال التي كانوا أهلا للرسالة والنبوة. فإن كان هذا فهم الرسل خاصة. ويحتمل [قوله تعالى: {المحسنين} [الآية: 84] محسنين] باختيارهم الهداية وإصابة الحق. فإن كان هذا فهو مما يشترك الأنبياء وأهل الإسلام فيه.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
..و (كلّ) يقتضي استغراق ما أضيف إليه. وحكم الاستغراق أن يثبت الحكم لكلّ فرد فرد لا للمجموع. والمراد تفضيل كلّ واحد منهم على العالمين من أهل عصره عدا من كان أفضلَ منه أو مساوياً له، فاللاّم في {العالمين} للاستغراق العرفي، فقد كان لوط في عصر إبراهيم وإبراهيم أفضلُ منه. وكان من غيرهما من كانوا في عصر واحد ولا يعرف فضل أحدهم على الآخر. وقال عبد الجبّار: يمكن أن يقال: المراد وكلّ من الأنبياء يُفضّلون على كلّ مَن سواهم من العالمين. ثمّ الكلام بعد ذلك في أنّ أي الأنبياء أفضل من الآخر كلام في غرض آخر لا تعلّق له بالأوّل اه. ولا يستقيم لأنّ مقتضى حكم الاستغراق الحكم على كلّ فردٍ فردٍ. وتتعلّق بهذه الآية مسألة مهمّة من مسائِل أصول الدّين. وهي ثبوت نبوءة الّذين جرى ذكر أسمائهم فيها، وما يترتّب على ثبوت ذلك من أحكام في الإيمان وحقّ النّبوءة. وقد أعرض عن ذكرها المفسّرون وكان ينبغي التّعرّض لها لأنَّها تتفرّع إلى مسائل تهمّ طالب العلوم الإسلاميّة مَعرفتُها، وأحقّ مظِنّة بذكرها هو هذه الآية وما هو بمعنى بعضها. فأمّا ثبوت نبوءة الّذين ذُكرت أسماؤهم فيها فلأنّ الله تعالى قال بعد أن عدّ أسماءهم {أولئك الّذين آتيناهم الكِتاب والحُكم والنّبوءة}. فثبوت النّبوءة لهم أمر متقرّر لأنّ اسم إشارة {أولئك} قريب من النصّ في عوده إلى جميع المسمَّيْنَ قبله مع ما يعضّده ويكمّله من النصّ بنبوءة بعضهم في آيات تماثِل هذه الآية، مثل آية سورة النّساء (163) {إنَّا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح} الآيات، ومثل الآيات من سورة مريم (41) واذكر في الكتاب إبراهيم الآيات.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
المجموعة الثالثة: هي ذرية إبراهيم من العرب وهم إسماعيل باني الكعبة مع أبيه وابنه البكر، والذبيح الذي فداه الله تعالى بذبح عظيم، وقد قال: يا أبت افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله مع الصابرين واليسع ويونس، ولوط وكان ابن أخيه فكان من ذريته بهذا الاعتبار.
وكان من صلب إسماعيل محمد صلى الله عليه وسلم وبهذا كان لهم فضل فوق كل فضل سبقه، لأنه اجتمع في محمد صلى الله عليه وسلم والصبر والاقدام في موطن الإقدام والروحانية بما لا يقل عن روحانية عيسى، ولذلك قال تعالى: (وكلا فضلنا على العالمين) أي أن كل واحد من هؤلاء كان له فضل على العالمين بفضل الله تعالى والله ذو فضل عظيم.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
.. {وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً}، وقد ابتلاهم الله بظروف صعبةٍ، ومشاكل معقدة في حياتهم، وواجهوا ذلك كله بالإيمان والصبر والمسؤولية العالية، حتى استطاعوا أن يقدّموا من أنفسهم النموذج الأمثل للإنسان المؤمن الصابر أمام المصاعب والتحديات، والواثق بالله في ما ينتظره من فرج وانتصار. وقد قدّم الله سبحانه لكل نموذج من هؤلاء وصفاً خاصاً يتناسب مع طبيعة الدور الذي أوكله إليه.. فمع النموذج الأوّل جاءت فقرة: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} في ما تفرضه حركة السلطة العادلة والقوّة المسؤولة من إحسانٍ للناس في تقديم العدالة لهم، وتقوية ضعفهم. وفي النموذج الثاني، جاءت فقرة: {كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ} في ما توحي به كلمة الصلاح من معانٍ روحيّةٍ تلتقي بالصفاء والوداعة والربّانية في القول وفي العمل، والزهد في مواجهة شهوات الدنيا.. وفي النموذج الثالث: {وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} لما يحتويه البلاء من اختبارٍ للطاقة الروحية، وفي ما ينتهي إليه من انتصارٍ على تحدياته ومشاكله، وفي ما ينطلق معه من مواقف وتطلعات، ما يعطي معنى الفضل على الجوّ الذي يحيط بهم، والتفضيل على الناس الذين يعيشون معهم..
ثم أتبعهم{[30268]} من لم يكن بينهما وبين الملوك أمر ، وهدى بهما من كان بين ظهرانيه فقال : { وإسماعيل واليسع } هذا إن كان اليسع هو ابن أخطوب{[30269]} ابن العجوز خليفة إلياس ، كما ذكر البغوي{[30270]} في سورة الصافات{[30271]} أن الله تعالى أرسل إلى إلياس - وهو من سبط لاوى من نسل هارون عليه السلام - فرساً من نار فركبه فرفعه الله{[30272]} وقطع عنه{[30273]} لذة المطعم والمشرب ، وكساه الريش ، فكان إنسياً ملكياً أرضياً سماوياً{[30274]} ، وسلط الله{[30275]} على آجب{[30276]} - يعني الملك الذي سلط على إلياس - عدواً فقتله ونَبأ{[30277]} الله اليسع وبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل ، وأيده فآمنت به بنو إسرائيل وكانوا يعظمونه وإن كان اليسع هو يوشع بن نون - كما قال زيد بن أسلم - فالمناسبة بينه وبين إسماعيل عليهما السلام أن كلاًّ منهما كان صادق الوعد ، لأن يوشع أحد النقيبين اللذين وفيا لموسى عليه السلام حين بعثهم يجسون بلاد بيت المقدس كما أشير إليه في قوله تعالى{ ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل{[30278]} وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً{[30279]} }[ المائدة : 12 ] و{[30280]} قوله{[30281]}{ وقال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما{[30282]} }[ المائدة : 23 ] وأيضاً فكل منهما كان سبب عمارة بلد الله الأعظم بالتوحيد ، فإسماعيل سبب عمارة مكة المشرفة ، ويوشع سبب عمارة البلدة المقدسة - كما سيأتي{[30283]} في سورة يونس إن شاء الله تعالى .
ولما كان إسماعيل واليسع ممن هدى الله بهما قومهما من غير عذاب ، أتبعهما مَن هدى الله قومه بالعذاب وأنجاهم بعد{[30284]} إتيان مخايله{[30285]} فقال : { ويونس } أي هديناه ؛ ولما انقضت ذرية إبراهيم عليه السلام ، ختم بابن أخيه الذي ضل قومه فهلكوا بغتة ، فبين قصتي هذين الآخرين طباق من جهة الهلاك والنجاة ، ووفاق من حيث إن كلاًّ منهما أرسل إلى غير قومه فقال : { ولوطاً } ثم وصفهم بما يعم من قبلهم فقال : { وكلاًّ } أي ممن ذكرنا { فضلنا } أي بما لنا من العظمة بتمام العلم{[30286]} وشمول القدرة { على العالمين * } فكل هؤلاء الأنبياء ممن هداه الله بهداه وجاهد في الله حق جهاده ، وبدأهم تعالى بإبراهيم عليه السلام وختمهم بابن أخيه لوط عليه السلام على هذه المناسبة الحسنة ؛ وقيل : إن الله تعالى أهلك قوم إبراهيم - نمرود وجنوده - بعد هجرته ، فإن صح ذلك تمت المناسبة في هلاك كل من قومه وقوم ابن أخيه{[30287]} لوط بعد خروج نبيهم عنهم ، فيكون بينهما وفاق كما{[30288]} كان بين{[30289]} قصته و{[30290]} قصة يونس عليه السلام طباق .
{[30291]} ومن{[30292]} لطائف ترتيبهم هكذا أيضاً أن إسماعيل عليه السلام يوازي نوحاً عليه السلام ، {[30293]} فإنه رابع في العدّ لهذا العقد إذا عددته من آخره ، كما أن نوحاً عليه السلام{[30294]} رابعه إذا عددته من أوله ، والمناسبة بينهما أن نوحاً عليه السلام نشر{[30295]} الله منه الآدميين حتى كان منهم إبراهيم عليه السلام{[30296]} الذي جعله الله أباً للأنبياء والمرسلين ، وإسماعيل عليه السلام{[30297]} نشر{[30298]} الله منه العرب الذين هم خلاصة الخلق{[30299]} حتى كان منهم محمد{[30300]} صلى الله عليه وسلم الذي جعله الله خاتم الأنبياء والمرسلين ، فهذا{[30301]} كان بداية وهذا{[30302]} كان نهاية ، وأن المذكورين قبل ذرية إبراهيم عليه السلام وبعدها - وهما نوح ولوط عليهما السلام - أهلك الله قوم كل منهما عامة ، وغيب هؤلاء في جامد الأرض كما أغرق أولئك في مائع الماء ، وأشقى{[30303]} بكل منهما زوجته ، بياناً لأن الرسل كما يكونون لناس رحمة يكونون على قوم نقمة ، وأنه لا نجاة بهم ولا انتفاع إلا بحسن الاتباع ، وأن ابن عمران اشترك{[30304]} مع إبراهيم عليهم السلام في أن كلاًّ من ملكي زمانهم أمر بقتل الغلمان خوفاً ممن يغير دينه ويسلبه ملكه{[30305]} ، وكما أن الله تعالى أنجى إبراهيم عليه السلام وابن أخيه لوطاً{[30306]} عليه السلام من ملك زمانهما المدعي للإلهية{[30307]} فكذلك أنجى موسى وأخاه هارون عليهما السلام من ملك زمانهما المدعي للآلهة{[30308]} ، وأنجى ذرية إبراهيم بهما ، فإذا جعلت إبراهيم وابن أخيه لوطاً - لكونه تابعاً له{[30309]} - واحداً ، وموسى وأخاه هارون واحداً لمثل ذلك ، ونظمت أسماء جميع هذه الأنبياء في سلك النقي{[30310]} : لوط مع إبراهيم كموسى مع هارون ، وكان الأربعة واسطة عقدة{[30311]} ، فبين إبراهيم وموسى حينئذ سبعة كما أن بين هارون ولوط سبعة ، وإذا ضممت إليهم المقصود بالذات المخاطب بهذه الآيات المأمور بقوله{ فبهداهم اقتده }[ الأنعام : 90 ] كان منزله في السلك بين ابن عمه لوط وأبيه إبراهيم ، و{[30312]} يكون من بين يديه تسعة ، ومن خلفه تسعة ، فمن{[30313]} إبراهيم إلى موسى تسعة ، ومن لوط إلى هارون كذلك ، فكان رسول الله{[30314]} صلى الله عليه وسلم واسط العقد ومكمل العقد ، فإنه العاشر من كل جانب ، فبه تكمل الهدى وإيجاب{[30315]} الردى ، وذلك طبق قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه :
" مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه ، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون : هلا وضعت هذه اللبنة ، {[30316]} فأنا اللبنة{[30317]} وأنا خاتم النبيين " وللبخاري نحوه عن جابر ، هذا مع اقترانه بأقرب أولي العزم رتبة ونسباً صاحب القصة إبراهيم عليه السلام ، وإن جعلت{[30318]} موسى وهارون عليهما السلام كشيء واحد كانا واسطة من الجانب الآخر ، فإن عددت من جهة إبراهيم عليه السلام كان بينه وبينهما ثمانية ، وإن عددت من جهة لوط عليه السلام كان كذلك .