الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلۡمِيثَٰقَ} (20)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم نعت الله أهل اللب، فقال: {الذين يوفون بعهد الله} في التوحيد، {ولا ينقضون الميثاق} الذي أخذ الله عليهم على عهد آدم، عليه السلام...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: إنما يتعظ ويعتبر بآيات الله أولو الألباب الذين يوفون بوصية الله التي أوصاهم. "ولا ينقضُونَ الميثاقَ": ولا يخالفون العهد الذي عاهدوا الله عليه إلى خلافه، فيعملوا بغير ما أمرهم به ويخالفوا إلى ما نهى عنه...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

ثم بين من هم فقال: (الذين يوفون بعهد الله) يحتمل [عهد الله]... عهد خلقه (يوفون) ما في خلقهم؛ إذ في خلقة كل أحد دلالة وحدانية وشهادة ألوهية، فوفوا ذلك العهد. ويحتمل عهد الله ما جرى على ألسن الرسل... وسمي العهد ميثاقا لأنه يوثق المرء، ويمنعه عن الاشتغال بغيره، والله أعلم...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

الايفاء: جعل الشيء على المقدار من غير زيادة ولا نقصان، والعهد: العقد المتقدم على الأمر بما يفعل والنهي عما يجتنب... والنقض: حل العقد بفعل ما ينافيه... والعهد الذي جعله في عقول العباد ما جعل فيها من اقتضاء صحة أمور الدين وفساد أمور أخر...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... وعهد الله: ما عقدوه على أنفسهم من الشهادة بربوبيته {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى} [الأعراف: 172].

{وَلاَ ينقُضُونَ الميثاق} ولا ينقضون كل ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه: من الإيمان بالله وغيره من المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد، تعميم بعد تخصيص.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{بعهد الله}: اسم للجنس، أي بجميع عهود الله وهي أوامره ونواهيه التي وصى بها عبيدة، ويدخل في هذه الألفاظ التزام جميع الفروض وتجنب جميع المعاصي.

{ولا ينقضون الميثاق} يحتمل أن يريد به جنس المواثيق أي إذا اعتقدوا في طاعة الله عهداً لم ينقضوه...

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

عُهُودِ اللَّهِ، وَهِيَ كَثِيرَةُ الْعَدَدِ، مُسْتَمِرَّةُ الْمَدَدِ وَ الْأَمَدِ. أَعْظَمُهَا عَهْدًا،وَأَوْكَدُهَا عَقْدًا مَا كَانَ فِي صُلْبِ آدَمَ عَلَى الْإِيمَانِ. الثَّانِي: مَا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

الثَّالِثُ: مَا رَبَطَهُ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ الْإِقْرَارِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، فَإِنَّهَا أَلْزَمَتْ عُهُودًا، وَرَبَطَتْ عُقُودًا، وَوَظَّفَتْ تَكْلِيفًا، وَذَلِكَ يَتَعَدَّدُ بِعَدَدِ الْوَظَائِفِ الشَّرْعِيَّةِ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا، مِنْهَا الْوَفَاءُ بِالْعِرْفَانِ، وَالْقِيَامُ بِحَقِّ الْإِحْسَانِ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ، فَإِنَّك إلَّا تَرَهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. وَمِنْهَا الِانْكِفَافُ عَنْ الْعِصْيَانِ، وَأَقَلُّهُ دَرَجَةً اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ، وَمِنْ أَعْظَمِ الْمَوَاثِيقِ فِي الذِّكْرِ أَلَا تَسْأَلَ سِوَاهُ،...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

الحاصل أنه دخل تحت قوله: {يوفون بعهد الله} كل ما قام الدليل عليه. ويصح إطلاق لفظ العهد على الحجة بل الحق أنه لا عهد أوكد من الحجة، والدلالة على ذلك أن من حلف على الشيء فإنما يلزمه الوفاء به، إذا ثبت بالدليل وجوبه لا بمجرد اليمين ولذلك ربما يلزمه أن يحدث نفسه إذا كان ذلك خيرا له فلا عهد أوكد من إلزام الله تعالى إياه ذلك بدليل العقل أو بدليل السمع. ولا يكون العبد موفيا للعهد إلا بأن يأتي بكل تلك الأشياء، كما أن الحالف على أشياء كثيرة لا يكون بارا في يمينه إلا إذا فعل الكل، ويدخل فيه الإتيان بجميع المأمورات والانتهاء عن كل المنهيات ويدخل فيه الوفاء بالعقود في المعاملات، ويدخل فيه أداء الأمانات، وهذا القول هو المختار الصحيح في تأويل الآية...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

عهد الله مطلق يشمل كل عهد، وميثاق الله مطلق يشمل كل ميثاق. والعهد الأكبر الذي تقوم عليه العهود كلها هو عهد الإيمان؛ والميثاق الأكبر الذي تتجمع عليه المواثيق كلها هو ميثاق الوفاء بمقتضيات هذا الإيمان... ثم تترتب على العهد الإلهي والميثاق الرباني كل العهود والمواثيق مع البشر. سواء مع الرسول أو مع الناس. ذوي قرابة أو أجانب. أفرادا أم جماعات. فالذي يرعى العهد الأول يرعى سائر العهود، لأن رعايتها فريضة؛ والذي ينهض بتكاليف الميثاق الأول يؤدي كل ما هو مطلوب منه للناس، لأن هذا داخل في تكاليف الميثاق. فهي القاعدة الضخمة الأولى التي يقوم عليها بنيان الحياة كله. يقررها في كلمات...

.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

... وعهد الله مصدر مضاف لمفعوله، أي ما عاهدوا الله على فعله، أو من إضافة المصدر إلى فاعله، أي ما عهد الله به إليهم. وعلى كلا الوَجهين فالمراد به الإيمان الذي أخذه الله على الخلق المشار إليه بقوله: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى}، وتقدم في سورة الأعراف (172)، فذلك عهدهم ربهم. وأيضاً بقوله: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني} [سورة يس: 60 61]، وذلك عهد الله لهم بأن يعبدوه ولا يعبدوا غيره، فحصل العهد باعتبار إضافته إلى مفعوله وإلى فاعله.

وذلك أمر أودعه الله في فطرة البشر فنشأ عليه أصلهم وتقلّده ذريته، واستمر اعترافهم لله بأنه خالقهم.

وذلك من آثار عهد الله. وطرأ عليهم بعد ذلك تحريف عهدهم فأخذوا يتناسون وتشتبه الأمور على بعضهم فطرأ عليهم الإشراك لتفريطهم النظر في دلائل التوحيد، ولأنه بذلك العهد قد أودع الله في فطرة العقول السليمة دلائل الوحدانية لمن تأمل وأسلم للدليل، ولكن المشركين أعرضوا وكابروا ذلك العهد القائم في الفطرة، فلا جرم أن كان الإشراك إبطالاً للعهد ونقضاً له، ولذلك عطفت جملة ولا ينقضون الميثاق} على جملة {يوفون بعهد الله}.

والتعريف في {الميثاق} يحمل على تعريف الجنس فيستغرق جميع المواثيق وبذلك يكون أعم من عهد الله فيشمل المواثيق الحاصلة بين الناس من عهود وأيمان.

وباعتبار هذا العموم حصلت مغايرة ما بينه وبين عهد الله. وتلك هي مسوغة عطف {ولا ينقضون الميثاق} على {يوفون بعهد اللَّه} مع حصول التأكيد لمعنى الأولى بنفي ضدها، وتعريضاً بالمشركين لاتصافهم بضد ذلك الكمال، فعطفُ التأكيد باعتبار المغايرة بالعموم والخصوص.

والميثاق والعهد مترادفان. والإيفاء ونفي النقض متحداً المعنى. وابتدئ من الصفات بهذه الخصلة لأنها تنبئ عن الإيمان، والإيمان أصل الخيرات وطريقها، ولذلك عطف على {يوفون بعهد الله} قوله: {ولا ينقضون الميثاق} تحذيراً من كل ما فيه نقضه.

وهذه الصلات صفات لأولي الألباب فعطفها من باب عطف الصفات للموصوف الواحد، وليس من عطف الأصناف...

فالمعنى: الذين يتصفون بمضمون كل صلة من هذه الصلات كلما عرض مقتض لاتّصافهم بها بحيث إذا وجد المقتضي ولم يتصفوا بمقتضاه كانوا غير متصفين بتلك الفضائل، فمنها ما يستلزم الاتصاف بالضد، ومنها ما لا يسْتلزم إلا التفريط في الفضل.

وأعيد اسم الموصول هذا وما عطف عليه من الأسماء الموصولة، للدلالة على أنها صلاتها خصال عظيمة تقتضي الاهتمام بذكر من اتصف بها، ولدفع توهم أن عقبى الدار لا تتحقق لهم إلا إذا جمعوا كل هذه الصفات.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

الوفاء بالعهد من صفات المؤمنين، ومن خصال الإيمان؛ وذلك لأن الوفاء يقتضي أن تصدق النفس في ذاتها وأن تدرك ما يجب في حق النفس، ويشعر المرء بالمعادلة في الحياة بينه وبين الناس، يشعر بحقهم عليه كما يطالبهم بحقه عليهم؛ ولذا كان علامة من علامات الإيمان. وكان خلف العهد علامة من علامات النفاق؛ لأن المنافق يحسب أن الناس خلقوا له يستغلهم ولا يعطيهم، يأخذ منهم ولا يقدم لهم...

والعهد سواء أكان مضافا إلى الله تعالى أم كان مضافا إلى العبد واجب الوفاء؛ لأنه من أمر الله، والنقض من أمر الله تعالى، فمن أوفى بعهده للناس فقد أوفى بعهد الله تعالى، وقد قال تعالى: {يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [الأنعام 1]...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلۡمِيثَٰقَ} (20)

فيه مسألتان :

الأولى : قوله تعالى : " الذين يوفون بعهد الله " هذا من صفة ذوي الألباب ، أي إنما يتذكر أولو الألباب الموفون بعهد الله . والعهد اسم الجنس ، أي بجميع عهود الله ، وهي أوامره ونواهيه التي وصى بها عبيده ، ويدخل في هذه الألفاظ التزام جميع الفروض ، وتجنب جميع المعاصي . وقوله : " ولا ينقضون الميثاق " يحتمل أن يريد به جنس المواثيق ، أي إذا عقدوا في طاعة الله عهدا لم ينقضوه . قال قتادة : تقدم الله إلى عباده في نقض الميثاق ونهى عنه في بضع وعشرين آية ، ويحتمل أن يشير إلى ميثاق بعينه ، هو الذي أخذه الله على عباده حين أخرجهم من صلب أبيهم آدم . وقال القفال : هو ما ركب في عقولهم من دلائل التوحيد والنبوات .

الثانية : روى أبو داود وغيره عن عوف بن مالك قال : ( كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة أو ثمانية أو تسعة فقال : ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا حديث عهد ببيعة{[9384]} فقلنا : قد بايعناك حتى قالها ثلاثا ، فبسطنا أيدينا فبايعناه ، فقال قائل : يا رسول الله ! إنا قد بايعناك{[9385]} فعلى ماذا نبايعك ؟ قال : ( أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وتصلوا الصلوات الخمس وتسمعوا وتطيعوا- وأسر كلمة خفية - قال : لا تسألوا الناس شيئا ) . قال : ولقد كان بعض أولئك النفر يسقط سوطه فما يسأل أحدا أن يناوله إياه . قال ابن العربي : من أعظم المواثيق في الذكر ألا يسأل سواه ، فقد كان أبو حمزة الخراساني من كبار العباد سمع أن أناسا بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يسألوا أحدا شيئا ، الحديث ، فقال أبو حمزة : رب إن هؤلاء عاهدوا نبيك إذ رأوه ، وأنا أعاهدك ألا أسأل أحدا شيئا ، قال : فخرج حاجا من الشام يريد مكة فبينما هو يمشي في الطريق من الليل إذ بقي عن أصحابه لعذر ثم أتبعهم ، فبينما هو يمشي إليهم إذ سقط في بئر على حاشية الطريق ، فلما حل في قعره قال : استغيث لعل أحدا يسمعني . ثم قال : إن الذي عاهدته يراني ويسمعني ، والله لا تكلمت بحرف للبشر ، ثم لم يلبث إلا يسيرا إذ مر بذلك البئر نفر ، فلما رأوه على حاشية الطريق قالوا : إنه لينبغي سد هذا البئر ، ثم قطعوا خشبا ونصبوها على فم البئر وغطوها بالتراب ، فلما رأى ذلك أبو حمزة قال : هذه مهلكة ، ثم أراد أن يستغيث بهم ، ثم قال : والله ! لا أخرج منها أبدا ، ثم رجع إلى نفسه فقال : أليس قد عاهدت من يراك ؟ فسكت وتوكل ، ثم استند في قعر البئر مفكرا في أمره ، فإذا بالتراب يقع عليه ، والخشب يرفع عنه ، وسمع في أثناء ذلك من يقول : هات يدك ! قال : فأعطيته يدي فأقلَّني في مرة واحدة إلى فم البئر ، فخرجت فلم أر أحدا ، فسمعت هاتفا يقول : كيف رأيت ثمرة التوكل ، وأنشد :

نهانِي حيائي منك أن أكشف الهوى *** فأغنيتني بالعلم منك عن الكَشْفِ

تلطفتَ في أمري فأبديت شاهدي *** إلى غائبي واللطفُ يُدْرَكُ باللطف

تراءيت لي بالعلم حتى كأنما *** تخبرني بالغيب أنك في كَفِّ

أراني وبي من هيبتي لك وحشة *** فتؤنسني باللطف منك وبالعطف

وتحيي مُحِبًّا أنت في الحب حتفه *** وذا عجبٌ كيف الحياة مع الحتف

قال ابن العربي : هذا رجل عاهد الله فوجد الوفاء على التمام والكمال ، فاقتدوا به إن شاء الله تهتدوا . قال أبو الفرج الجوزي : سكوت هذا الرجل في هذا المقام على التوكل بزعمه إعانة على نفسه ، وذلك لا يحل ، ولو فهم معنى التوكل لعلم أنه لا ينافي استغاثته في تلك الحالة ، كما لم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوكل بإخفائه الخروج من مكة ، واستئجاره دليلا ، واستكتامه ذلك الأمر ، واستتاره في الغار ، وقوله لسراقة : ( اخف عنا ) . فالتوكل الممدوح لا ينال بفعل محظور ، وسكوت هذا الواقع في البئر محظور عليه ، وبيان ذلك أن الله تعالى قد خلق للآدمي آلة يدفع عنه بها الضرر ، وآلة يجتلب بها النفع ، فإذا عطلها مدعيا للتوكل كان ذلك جهلا بالتوكل ، وردا لحكمة التواضع ؛ لأن التوكل إنما هو اعتماد القلب على الله تعالى ، وليس من ضرورته قطع الأسباب ، ولو أن إنسانا جاع فلم يسأل حتى مات دخل النار ، قاله سفيان الثوري وغيره ؛ لأنه قد دل على طريقة السلامة ، فإذا تقاعد عنها أعان على نفسه . وقال أبو الفرج : ولا التفات إلى قول أبي حمزة : " فجاء أسد فأخرجني " فإنه إن صح ذلك فقد يقع مثله اتفاقا وقد يكون لطفا من الله تعالى بالعبد الجاهل ، ولا ينكر أن يكون الله تعالى لطف به ، إنما ينكر فعله الذي هو كسبه ، وهو إعانته على نفسه التي هي وديعة لله تعالى عنده ، وقد أمره بحفظها .


[9384]:في و: ببيعته.
[9385]:الزيادة من كتب الحديث.