ثم أخبر تعالى عن عاجل أمرِهم وآجله من الضحك القليل والبكاء الطويل التي تؤدي إليه أعمالُهم السيئة بقوله :
{ فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } .
فليضحكوا فَرَحاً بالقعود ، وسخريةً من المؤمنين . إن ضَحِكَهم زمنُه قليل ، لانتهائه بانتهاء حياتِهم في الدنيا ، وسيعقُبُه بكاءٌ كثير لا نهاية له في الآخرة ، جزاءً لهم بما ارتكبوا من الأعمال السيئة .
ثم بين ما يجب أن يُعامَلوا به في الدنيا ، وأنهم لا يصلُحون لكفاح ، ولا يُرجَون لجهاد ، ولا يجوز أن يُتسامح معهم .
الأولى - قوله تعالى : " فليضحكوا قليلا " أمر ، معناه معنى التهديد وليس أمرا والأصل أن تكون اللام مكسورة فحذفت الكسرة لثقلها . قال الحسن : " فليضحكوا قليلا " في الدنيا " وليبكوا كثيرا " في جهنم . وقيل : هو أمر بمعنى الخبر . أي إنهم سيضحكون قليلا ويبكون كثيرا . " جزاء " مفعول من أجله ، أي للجزاء .
الثانية - من الناس من كان لا يضحك اهتماما بنفسه وفساد حاله في اعتقاده من شدة الخوف ، وإن كان عبدا صالحا . قال صلى الله عليه وسلم : ( والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولخرجتم إلى الصعدات{[8182]} تجأرون إلى الله تعالى لوددت{[8183]} أني كنت شجرة تعضد ) خرجه الترمذي . وكان الحسن البصري رضي الله عنه ممن قد غلب عليه الحزن فكان لا يضحك . وكان ابن سيرين يضحك ويحتج على الحسن ويقول : الله أضحك وأبكى . وكان الصحابة يضحكون ، إلا أن الإكثار منه وملازمته حتى يغلب على صاحبه مذموم منهي عنه ، وهو من فعل السفهاء والبطالة . وفي الخبر : ( أن كثرته تميت القلب ) وأما البكاء من خوف الله وعذابه{[8184]} وشدة عقابه فمحمود ، قال عليه السلام : ( ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون فلو أن سفنا أجريت فيها لجرت ) خرجه ابن المبارك من حديث أنس وابن ماجة أيضا .
قوله : { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا } وهذا أمر بمعنى التهديد ؛ أي فليضحكوا فرحين قليلا في هذه الدنيا الفانية بقعودهم في منازلهم مخالفين رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ إذ خرج إلى لقاء الكافرين . وفي المقابل ليبكوا طويلا وهم في جهنم . قال ابن عباس : الدنيا قليل فليضحكوا فيما ما شاءوا ، فإذا انقطعت الدنيا وصاروا إلى الله عز وجل ؛ استأنفوا بكاء لا ينقطع أبدا .
وقيل : الآية أمر بمعنى الخبر ؛ أي أنهم سيضحكون قليلا وسيبكون كثيرا { جزاء بما كانوا يكسبون } أي جزاء من الله على تخلفهم عن رسول الله وانثنائهم عن الخروج للقاء الكافرين{[1864]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.