قوله تعالى : " الحق من ربك " يعني استقبال الكعبة ، لا ما أخبرك به اليهود من قبلتهم . وروي عن علي رضي الله عنه أنه قرأ " الحق " منصوبا ب " يعلمون " أي يعلمون الحق . ويصح نصبه على تقدير الزم الحق . والرفع على الابتداء أو على إضمار مبتدأ والتقدير هو الحق ، أو على إضمار فعل ، أي جاءك الحق . قال النحاس : فأما الذي في " الأنبياء " " الحق فهم معرضون{[1294]} " [ الأنبياء : 24 ] فلا نعلم أحدا قرأه إلا منصوبا ، والفرق بينهما أن الذي في سورة " البقرة " مبتدأ آية{[1295]} ، والذي في الأنبياء ليس كذلك .
قوله تعالى : " فلا تكونن من الممترين " أي من الشاكين . والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته . يقال : امترى فلان [ في ] كذا إذا اعترضه اليقين مرة والشك أخرى فدافع إحداهما بالأخرى ، ومنه المراء ؛ لأن كل واحد منهما يشك في قول صاحبه . والامتراء في الشيء الشك فيه ، وكذا التماري . وأنشد الطبري شاهدا على أن الممترين الشاكون قول الأعشى :
تدُِرّ على أسْؤُق الممتري *** ن ركْضاً إذا ما السراب ارْجَحَنَّ
قال ابن عطية : ووهم في هذا ، لأن أبا عبيدة وغيره قال : الممترون في البيت هم الذين يمرون الخيل بأرجلهم همزا لتجري كأنهم يحتلبون الجري منها ، وليس في البيت معنى الشك كما قال الطبري . قلت : معنى الشك فيه موجود ، لأنه يحتمل أن يختبر الفرس صاحبه هل هو على ما عهد من الجري أم لا ، لئلا يكون أصابه شيء ، أو يكون هذا عند أول شرائه فيجريه ليعلم مقدار جربه . قال الجوهري : ومريت الفرس إذا استخرجت ما عنده من الجري بسوط أو غيره . والاسم المرية ( بالكسر ) وقد تضم . ومريت الناقة مريا : إذا مسحت ضرعها لتدر . وأمرت هي إذا در لبنها ، والاسم المرية ( بالكسر ) ، والضم غلط . والمرية : الشك ، وقد تضم ، وقرئ بهما .
ولأن هذا المجموع يفيد قهر الحق للخلق بما شاء منهم من هدى وفتنة لتظهر فيها رحمته ونقمته{[5528]} وهو الحق الذي هو ماضي الحكم الذي جبلّة محمد صلى الله عليه وسلم تتقاضى التوقف فيه لما هو عليه من طلب الرحمة ولزوم حكم الوصية خاطبه الحق بقوله : { الحق } أي هذا التفريق والتصنيف الموجب لعمارات درجات الجنة وعمارات دركات النار هو الحق ، أو يكون المعنى : الحق الذي أخبرت به في هذه السورة أو الآيات ، أو جنس الحق{[5529]} كائن { من ربك } أي المحسن إليك بطرد من يضر اتباعه كما{[5530]} هو محسن إليك بالإقبال بمن ينفع اتباعه { فلا تكونن{[5531]} من الممترين } فيما فسر نحوه من اشتباه المرتبتين الواقعة منه فيما بين الفضل والعدل والواقعة من غيره فيما بين الجور والعدل انتهى . وفيه زيادة وتغيير ، وفي تأكيد الأمر تارة بالعلم وتارة بالمعرفة وتارة بغيرهما تأكيد لوجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم وإزاحة لما يلقيه السفهاء العالمون به من الشبه . قال الحرالي : والممتري من الامتراء وهو تكلف المرية وهي مجادلة تستخرج السوء من خبيئة{[5532]} المجادل ، من امتراء ما في الضرع وهو استيصاله حلباً ، ولأنه حال الشاك ربما أطلق عليه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.