الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ} (12)

قوله تعالى : " يدعو من دون الله " أي هذا الذي يرجع إلى الكفر يعبد الصنم الذي ولا ينفع ولا يضر . " ذلك هو الضلال البعيد " قال الفراء : الطويل .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ} (12)

ثم بين هذا الخسران الذي رده إلى ما كان فيه قبل الإيمان الحرفي بقوله : { يدعوا } أي يعبد حقيقة أومجازاً مع التجدد والاستمرار بالاعتماد على غير الله ومنابذة{ وإياك نستعين }[ الفاتحة : 5 ] . ولما كان كل ما سوى الله دونه ، نبه على ذلك بقوله : { من دون الله } أي عن أدنى رتبة من رتب المستجمع لصفات الكمال .

ولما كان المقتضى للعبادة إنما هو الفعل بالاختيار ، وأما الفعل الذي يقتضيه الطبع والقسر عليه فلا عبرة به في ذلك ، فإنه لا قدرة على الانفكاك عنه فلا حمد لفاعله ، نبه على ذلك بقوله : { ما لا يضره } أي بوجه من الوجوه حتى ولا بقطع النفع إن كان يتصور منه .

ولما قدم الضر لأنه من الأعذار المقبولة في ارتكاب الخطأ ، أتبعه النفع قطعاً لكل مقال فقال : { وما لا ينفعه } بوجه من الوجوه ولا بترك الضر إن وجد منه ، ولو أسقطت " ما " من الثاني لظن أن الذم يشترط فيه انتفاء الضر والنفع معاً حتى أن من ادعى ما انتفى عنه أحدهما لم يذم { ذلك } أي الفعل الدال على أعظم السفه وهو دعاء شيء انتفى عنه القدرة على النفع ، أو شيء انتفى عنه القدرة على الضر { هو } أي وحده { الضلال البعيد* } عن الحق والرشاد الذي أوصل إلى فياف مجاهل لا يتأتى الرجوع منها ، وذلك لأن الأول لو ترك عبادته ما قدر على منع إحسانه ، والثاني لو تقاداه ما وصل إلى نفعه ولا بترك ضره ، فعبادتهما عبث ، لأنه استوى فعلها وتركها .