الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِذۡ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئۡتِ ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (10)

قوله تعالى : " وإذ نادى ربك موسى " " إذ " في موضع نصب . المعنى : واتل عليهم " إذ نادى ربك موسى " ويدل على هذا أن بعده . " واتل عليهم نبأ إبراهيم " [ الشعراء : 69 ] ذكره النحاس . وقيل : المعنى واذكر إذا نادى كما صرح به في قوله : " واذكر أخا عاد " [ الأحقاف : 21 ] وقوله : " واذكر عبادنا إبراهيم " [ ص : 45 ] وقوله : " واذكر في الكتاب مريم " [ مريم : 16 ] . وقيل : المعنى " وإذ نادى ربك موسى " كان كذا وكذا . والنداء الدعاء بيافلان ، أي قال ربك يا موسى : " أن ائت القوم الظالمين " ثم أخبر من هم فقال : " قوم فرعون ألا يتقون "

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذۡ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئۡتِ ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (10)

ولما اقتضى وصف العزة الإهلاك ، ووصف الرحمة الإمهال ، وكان الأول مقدماً ، وكانت عادتهم تقديم ما هم به أهم ، وهو لهم أعنى ، خيفت غائلته ، فأتبع ذلك أخبار هذه الأمم ، دلالة على الوصفين معاً ترغيباً وترهيباً ، ودلالة على أن الرحمة سبقت الغضب ، وإن قدم الوصف اللائق به ، فلا يعذب إلا بعد البيان مع طول الإمهال ، وأخلى قصة أبيهم إبراهيم عليه السلام من ذكر الإهلاك إشارة إلى البشارة بالرفق ببنيه العرب في الإمهال كما رفق بهم في الإنزال والإرسال ، ولما كان مع ذلك في هذه القصة تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم فيما يقاسيه من الأذى والتكذيب ، وكانت التسلية بموسى وإبراهيم عليهما السلام أتم ، لما لهما من القرب ، والمشاركة في الهجرة ، والقصد إلى الأرض المقدسة ، وكان قد اختص موسى عليه السلام بالكتاب الذي ما بعد القرآن مثله والآيات التي ما أتى بمثلها أجد قبله ، وإقرار عينه بهداية قومه ، وحفظهم بعده بالكتاب ، وسياسة الأنبياء المجددين لشريعته ، وعدم استئصالهم بالعذاب والانتقام بأيديهم من جميع أعدائهم ، وفتح بلاد الكفرة على أيديهم بعده صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك مما شابهوا به هذه الأمة مع مجاورتهم للعرب حتى في دار الهجرة ، وموطن النصرة ، ليكون في إقرارهم على ما يسمعون من أخبارهم أعظم معجزة ، وأتم دلالة ، قدمهما مقدماً لموسى - عليهما السلام ، والتحية والإكرام - فإن كان القصد تسكين ما أورثه آخر تلك من خوف الملازمة بالعذاب نظراً إلى وصف العزة ، فالتقدير : اذكر أثر رحمتنا بطول إمهالنا لقومك - وهم على أشد ما يكون من الكفر والضلال في أيام الجاهلية - برحمتنا الشاملة بإرسالك إليهم وأنت أشرف الرسل ، وإنزال هذا الكتاب الذي هو أعظم الكتب { هو } اذكر { إذ } وعلى تقدير التسلية يكون العطف على تلك لأن المراد بها التنبيه ، فالتقدير : خذ آيات الكتاب واذكر إذ { نادى ربك } أي المحسن إليك بكل ما يمكن الإحسان به في هذه الدار ، وعلى تقدير الترهيب يكون التقدير : أو لم يروا إذ نادى ربك ، وعدّوا رائين لذلك لأن اليهود في بلادهم وفي حد القرب منهم ، فإما أن يكونوا عالمين بالقصة بما سمعوه منهم ، أو متهيئين لذلك لإمكانهم من سؤالهم ؛ ثم ذكر المنادى فقال : { موسى } وأتبعه ما كان له النداء فقال مفسراً لأن النداء في معنى القول : { أن أئت القوم } أي الذين فيهم قوة وأيّ قوة { الظالمين* } أي بوضعهم قوتهم على النظر الصحيح المؤدي للإيمان في غير موضعها .