قوله تعالى : " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر " إخراج لعباده المؤمنين من صفات الكفرة في عبادتهم الأوثان ، وقتلهم النفس بوأد البنات ، وغير ذلك من الظلم والاغتيال ، والغارات ، ومن الزنى الذي كان عندهم مباحا . وقال من صرف هذه الآية عن ظاهرها من أهل المعاني : لا يليق بمن أضافهم الرحمن إليه إضافة الاختصاص ، وذكرهم ووصفهم من صفات المعرفة والتشريف وقوع هذه الأمور القبيحة منهم حتى يمدحوا بنفيها عنهم لأنهم أعلى وأشرف ، فقال : معناها لا يدعون الهوى إلها ، ولا يذلون أنفسهم بالمعاصي فيكون قتلا لها . ومعنى " إلا بالحق " أي إلا بسكين الصبر وسيف المجاهدة فلا ينظرون إلى نساء ليست لهم بمحرم بشهوة فيكون سفاحا ، بل بالضرورة فيكون كالنكاح . قال شيخنا أبو العباس : وهذا كلام رائق غير أنه عند السبر مائق . وهي نبعة باطنية ونزعة باطلية وإنما صح تشريف عباد الله باختصاص الإضافة بعد أن تحلوا بتلك الصفات الحميدة وتخلوا عن نقائض ذلك من الأوصاف الذميمة ، فبدأ في صدر هذه الآيات بصفات التحلي تشريفا لهم ، ثم أعقبها بصفات التخلي تبعيدا لها ، والله أعلم .
قلت : ومما يدل على بطلان ما ادعاه هذا القائل من أن تلك الأمور ليست على ظاهرها ما روى مسلم من حديث عبد الله بن مسعود قال قلت : يا رسول الله ، أي الذنب أكبر عند الله ؟ قال : ( أن تدعو لله ندا وهو خلقك ) قال : ثم أي ؟ قال : ( أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم ) قال : ثم أي ؟ قال : ( أن تزاني حليلة جارك ) فأنزل الله تعالى تصديقها : " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن يفعل ذلك يلق أثاما " . والأثام في كلام العرب العقاب ، وبه قرأ ابن زيد وقتادة هذه الآية . ومنه قول الشاعر :
جزى الله ابن عروة حيث أمسى *** عقوقا والعقوق له أثامُ
أي جزاء وعقوبة . وقال عبد الله بن عمرو وعكرمة ومجاهد : إن " أثاما " واد في جهنم جعله الله عقابا للكفرة . قال الشاعر :
لقيت المهالك في حربنا *** وبعد المهالك تلقى أثاما
وكان مُقامُنا ندعو عليهم *** بأبطح ذي المجاز له أثامُ
وفي صحيح مسلم أيضا عن ابن عباس : أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا ، فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن ، وهو يخبرنا بأن لما عملنا كفارة ، فنزلت : " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما " . ونزل : " يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم " [ الزمر : 53 ] الآية . وقد قيل : إن هذه الآية ، " يا عبادي الذين أسرفوا " نزلت في وحشي قاتل حمزة ، قاله سعيد بن جبير وابن عباس . وسيأتي في " الزمر " بيانه . قوله تعالى : " إلا بالحق " أي بما يحق أن تقتل به النفوس من كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان ، على ما تقدم بيانه في " الأنعام " {[12170]} . " ولا يزنون " فيستحلون الفروج بغير نكاح ولا ملك يمين . ودلت هذه الآية على أنه ليس بعد الكفر أعظم من قتل النفس بغير الحق ثم الزنى ؛ ولهذا ثبت في حد الزنا القتل لمن كان محصنا أو أقصى الجلد لمن كان غير محصن .
ولما ذكر ما تحلوا به من أصول الطاعات ، بما لهم من العدل والإحسان بالأفعال والأقوال ، في الأبدان والأموال ، أتبعه ما تخلوا عنه من أمهات المعاصي التي هي الفحشاء والمنكر ، فقال : { والذين لا يدعون } رحمة لأنفسهم واستعمالاً للعدل { مع الله } أي الذي اختص بصفات الكمال { إلهاً } وكلمة " مع " وإن أفهمت أنه غير ، لكن لما كانوا يتعنتون حتى أنهم يتعرضون بتعديد الأسماء كما مر في آخر سبحان والحجر ، قال تعالى قطعاً لتعنتهم : { آخر } أي دعاء جلياً بالعبادة له ، ولا خفياً بالرياء ، فيكونوا كمن أرسلت عليهم الشياطين فأزتهم أزاً .
ولما نفى عنهم ما يوجب قتل أنفسهم بخسارتهم إياها ، أتبعه قتل غيرهم فقال : { ولا يقتلون } أي بما تدعو إليه الحدة { النفس } أي رحمة للخلق وطاعة للخالق . ولما كان من الأنفس ما لا حرمة له ، بين المراد بقوله : { التي حرم الله } أي قتلها ، أي منع منعاً عظيماً الملك الأعلى - الذي لا كفوء له - من قتلها { إلا بالحق } أي بأن تعمل ما يبيح قتلها .
ولما ذكر القتل الجلي ، أتبعه الخفي بتضييع نسب الولد ، فقال : { ولا يزنون } أي رحمة لما قد يحدث من ولد ، إبقاء على نسبه ، ورحمة للمزني بها ولأقاربها أن تنهتك حرماتهم ، مع رحمته لنفسه ، على أن الزنا جارّ أيضاً إلى القتل والفتن ، وفيه التسبب لإيجاد نفس بالباطل كما أن القتل تسبب إلى إعدامها بذلك ، وقد روي في الصحيح
" عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الذنب أعظم - وفي رواية : أكبر - عند الله ؟ قال : أن تدعو لله نداً وهو خلقك ، قال : ثم أيّ ؟ قال : أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك ، قال : ثم أيّ ؟ قال : أن تزني بحليلة جارك ، فأنزل الله تصديق ذلك { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر } [ الفرقان : 68 ] الآية " وقد استشكل تصديق الآية للخبر من حيث أن الذي فيه قتل خاص وزنا خاص ، والتقييد بكونه أكبر ، والذي فيها مطلق القتل والزنا من غير تعرض لعظم ، ولا إشكال لأنها نطقت بتعظيم ذلك من سبعة أوجه : الأول : الاعتراض بين المبتدأ الذي هو " وعباد " وما عطف عليه ، والخبر الذي هو{ أولئك يجزون } [ الفرقان : 75 ] على أحد الرأيين بذكر جزاء هذه الأشياء الثلاثة خاصة ، وذلك دال على مزيد الاهتمام الدال على الإعظام . الثاني : الإشارة بأداة البعد - في قوله : { ومن يفعل ذلك } أي الفعل العظيم القبح - مع قرب المذكورات ، فدل على أن البعد في رتبها . الثالث : التعبير باللقى مع المصدر المزيد الدال على زيادة المعنى في قوله : { يلق أثاماً* } دون يأثم أو يلق إثماً أو جزاء إثمه .
الرابع : التقييد بالمضاعفة في قوله مستأنفاً : { يضاعف } أي بأسهل أمر { له العذاب } جزاء ما أتبع نفسه هواها بما فيه من الحرارة الشيطانية - هذا في قراءة ابن عامر وأبي بكر عن عاصم بالرفع وهو بدل " يلق " في قراءة الجماعة ، لأنهما تؤولان إلى معنى واحد ، ومضاعفة العذاب - والله أعلم - إتيان بعضه في أثر بعض بلا انقطاع كما كان يضاعف سيئته كذلك ، وقراءة ابن كثير وأبي جعفر وابن عامر ويعقوب بالتشديد تفيد مطلق التعظيم للتضعيف ، وقراءة الباقين بالمفاعلة تقتضيه بالنسبة إلى من يباري آخر فيه فهو أبلغ . الخامس : التهويل بقوله : { يوم القيامة } الذي هو أهول من غيره بما لا يقايس . السادس : الإخبار بالخلود الذي هو أول درجاته أن يكون مكثاً طويلاً ، فقال عاطفاً في القراءتين على يضاعف : { ويخلد فيه } . السابع : التصريح بقوله : { مهاناً* } ولعله للاحتراز عما يجوز من أن بعض عصاة هذه الأمة - الذين يريد الله تعذيبهم - يعلمون أنهم ينجون ويدخلون الجنة ، فتكون إقامتهم - مع العلم بالمآل - ليست على وجه الإهانة ، فلما عظم الأمر من هذه الأوجه ، علم أن كلاًّ من هذه الذنوب كبير ، وإذا كان الأعم كبيراً ، كان الأخص المذكور أعظم من مطلق الأعم ، لأنه زاد عليه بما صار به خاصاً ، فثبت بهذا أنها كبائر ، وأن قتل الولد والزنا بحليلة الجار أكبر لما ذكر ، فوضح وجه تصديق الآية للخبر ، ولا يقال : إن الإشارة ترجع إلى المجموع ، فالتهويل خاص بمن ارتكب مجموع هذه الذنوب لأنا نقول : السياق يأباه ، لأن تكرار " لا " أفاد - كما حققه الرضي - ورود النفي على وقوع الخصال الثلاث حال الاجتماع والانفراد ، فالمعنى : لا يوقعون شيئاً منها ، فكان معنى { ومن يفعل ذلك } : ومن يفعل شيئاً من ذلك - ليرد الإثبات على ما ورد عليه النفي ، فيحصل التناسب ، وأما عدم منافاة الآية للترتيب فمن وجهين : الأول أن الأصل في التقديم الاهتمام بما سبقت له الآية ، وهو التنفير المفيد للتغليظ ، فيكون كل واحد منها أعلى مما بعده .
الثاني أن الواو لا تنافيه ، وقد وقعت الأفعال مرتبة في الذكر كما رتبت في الحديث ب " ثم " فيكون مراداً بها الترتيب - والله الهادي .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.